
في كل عام، يولّد المحيط قيمة اقتصادية تفوق اقتصاد سابع أكبر دولة في العالم، ويؤمّن سبل عيش أكثر من ثلاثة مليارات شخص، ويدعم صناعات تمتد من الشحن البحري إلى الصناعات الدوائية. ومع ذلك، يبقى هذا الاقتصاد في معظم الدول، بما فيها لبنان، غير مُدرج بالشكل الكافي في السياسات العامة، ضعيف الاستثمار، ويتعرض لمخاطر متزايدة. في يوم المحيطات العالمي، يبرز سؤال أساسي: ماذا سيخسر لبنان إذا استمر في التعامل مع ساحله كخلفية جغرافية بدل اعتباره أصلًا اقتصاديًا؟
ما هو الاقتصاد البحري؟
يشمل الاقتصاد البحري مختلف الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمحيطات، مثل النفط والغاز البحريين، معدات وبناء المنشآت البحرية، الشحن بالحاويات، بناء وإصلاح السفن، سياحة الرحلات البحرية، أنشطة المرافئ، والطاقة البحرية. كما يشمل الأصول الطبيعية والخدمات البيئية التي يوفرها المحيط، من مصائد الأسماك إلى عزل الكربون.
وقد شهد نمو الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمحيطات تسارعًا كبيرًا خلال السنوات الخمسين الماضية، ليُقدَّر الاقتصاد البحري اليوم بنحو 1.5 تريليون دولار أمريكي. ووفقًا لتقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية “The Ocean Economy 2030”، يمكن أن يرتفع هذا الرقم إلى 3 تريليونات دولار بحلول عام 2030، مع نمو ملحوظ خصوصًا في الطاقة المتجددة من الرياح، وتربية الكائنات البحرية في المياه المالحة، ومعالجة الأسماك.
لكن التركيز التقليدي على تعظيم العوائد الاقتصادية غالبًا ما يأتي على حساب البيئة البحرية، ما يؤدي إلى تدهور النظم البيئية واستنزاف الموارد التي تعتمد عليها المجتمعات.
من الاقتصاد البحري إلى الاقتصاد الأزرق
الاقتصاد الأزرق هو فلسفة اقتصادية تقوم على الاستخدام المستدام للموارد البحرية والساحلية بهدف تحقيق النمو الاقتصادي مع الحفاظ على النظم البيئية البحرية.
وقد صاغ هذا المفهوم الاقتصادي البلجيكي غونتر باولي عام 1994، وعمّمه لاحقًا في كتابه الصادر عام 2010 بعنوان “الاقتصاد الأزرق: 10 سنوات، 100 ابتكار، 100 مليون وظيفة”. ورغم أن طرحه الأول ركّز على نموذج اقتصادي خالٍ من الهدر، فإن المفهوم اليوم يشير إلى الاستخدام المستدام للمحيطات وحمايتها بما يعزز النمو الاقتصادي ويحسّن سبل العيش ويحافظ على صحة النظم البيئية. وقد تبنّته الدول الجزرية الصغيرة النامية خلال قمة ريو+20 عام 2012 التابعة للأمم المتحدة للتنمية المستدامة.
عمليًا، يشمل الاقتصاد الأزرق قطاعات واسعة، أبرزها الشحن البحري الذي ينقل نحو 80% من حجم التجارة العالمية، ومصائد الأسماك وتربية الأحياء المائية التي تولّد أكثر من 100 مليار دولار سنويًا وتوفر نحو 260 مليون فرصة عمل عالميًا، والسياحة الساحلية التي تدر نحو 4.6 تريليونات دولار سنويًا وتمثل أكثر من 5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
ومن الجوانب الأقل ظهورًا ولكن بالغة الأهمية، ما يقدمه المحيط للعلوم والطب. إذ تغطي المحيطات أكثر من 70% من سطح الأرض وتحتضن نحو 80% من التنوع البيولوجي، ما يجعلها مصدرًا غنيًا وغير مستكشف بالكامل للجزيئات الحيوية. وقد أسهمت كائنات بحرية في تطوير علاجات معتمدة للسرطان ومسكنات للألم وأدوية مضادة للفيروسات. وحتى عام 2025، كان هناك أكثر من 31 مركبًا بحريًا قيد التطوير السريري، بزيادة قدرها 22% مقارنة بعام 2022. كما تعتمد صناعة مستحضرات التجميل بشكل متزايد على مكونات بحرية، فيما يمتد الابتكار البحري إلى تربية الأحياء المائية المستدامة والوقود الحيوي.
تُقدَّر قيمة الاقتصاد الأزرق عالميًا بنحو 2.5 تريليون دولار سنويًا، أي ما يعادل 5% من الناتج العالمي. وفي لبنان، يساهم الاقتصاد الأزرق بما يشمل السياحة الساحلية والنقل البحري ومصائد الأسماك التقليدية بنحو 18% إلى 19% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقًا لمؤسسة الحريري للتنمية البشرية المستدامة، مع اعتماد كبير على السياحة الساحلية، مقابل مساهمة محدودة لقطاع الصيد.
الاقتصاد الأزرق في لبنان: تقييم وطني
في عام 2024، أعدّت مؤسسة الحريري للتنمية البشرية المستدامة، بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) وبدعم من الاتحاد الأوروبي ضمن برنامج SwitchMed II، أول تقييم وطني شامل للاقتصاد الأزرق في لبنان. وقد اعتمد التقييم مقاربة متعددة الأطراف شملت الشريط الساحلي اللبناني الممتد على 225 كيلومترًا ضمن ثلاثة قطاعات رئيسية: المرافئ والتجارة البحرية، الموارد البحرية الحية ومصائد الأسماك، والسياحة الساحلية.
وشارك في هذا التقييم جهات حكومية، وفاعلون من القطاع الخاص، ونقابات صيادين، ومنظمات بيئية، وجامعات، ومؤسسات دولية، ما يجعله من أكثر الدراسات شمولًا للقطاع البحري في لبنان حتى اليوم.
وتُظهر النتائج صورة مزدوجة:
من جهة، يساهم الاقتصاد الأزرق بنسبة 18% إلى 19% من الناتج المحلي الإجمالي، مدفوعًا أساسًا بالسياحة الساحلية ونشاط المرافئ. ويُعدّ مرفأ بيروت مركزًا تجاريًا إقليميًا رئيسيًا كان يمر عبره 82% من حركة الاستيراد والتصدير قبل انفجار عام 2020، واستعاد نشاطه في 2023 ليصل إلى 5.41 مليون طن من البضائع، بزيادة 5% على أساس سنوي. كما سجّل مرفأ طرابلس نموًا يتجاوز 80% منذ عام 2019، مع قدرات كبيرة غير مستغلة. في المقابل، تبقى القطاعات الناشئة مثل التكنولوجيا الحيوية البحرية، والطاقة المتجددة البحرية، والسياحة البيئية شبه غائبة، رغم إمكاناتها الكبيرة.
ومن جهة أخرى، يعاني قطاع الصيد من ضعف واضح، إذ لا يتجاوز الإنتاج السنوي 3000 إلى 3500 طن، نتيجة الصيد الجائر، واستخدام شباك غير قانونية، وتصريف مياه الصرف الصحي مباشرة في البحر، إضافة إلى النفايات الصلبة على طول الساحل. كما تُعدّ الحوكمة المتشتتة—بسبب غياب إطار وطني موحد وإدارة متكاملة للمناطق الساحلية أحد أبرز التحديات البنيوية.
إمكانات غير مستغلة
لبنان ليس استثناءً في إدراك أهمية ساحله. ففي دول شرق المتوسط، طوّرت دول مماثلة قطاعات بحرية متقدمة: إذ يعتمد المغرب على اقتصاد بحري يشكّل 59% من الناتج المحلي الإجمالي، وتوفّر تونس من خلال قطاعي الصيد والسياحة نحو 450 ألف فرصة عمل، فيما نجحت مصر في تحويل سواحلها إلى أحد أبرز الممرات التجارية والسياحية في المنطقة.
أما لبنان، فرغم امتلاكه ساحلًا بطول 225 كيلومترًا، وموقعًا استراتيجيًا، وتاريخًا سياحيًا بارزًا، فإنه لا يزال يفتقر إلى البنية المؤسسية اللازمة لاستثمار هذا القطاع.
ويظهر ذلك بوضوح في قطاع الطاقة البحرية، حيث تشير التقديرات إلى وجود احتياطات غازية غير مستغلة في البلوكات البحرية اللبنانية. وإذا ما أُديرت هذه الموارد بشفافية واستدامة، يمكن أن تشكّل ركيزة أساسية للتعافي الاقتصادي ونقطة انطلاق لتطوير اقتصاد بحري متكامل.
بالنسبة للبنان، لم يعد الاقتصاد الأزرق خيارًا مستقبليًا، بل فرصة تعافٍ قائمة بالفعل.
اقتصاد يحتاج إلى حماية
لا يميّز المحيط بين الدول المتقدمة والنامية. وتدهوره من ارتفاع درجات حرارة المياه، وابيضاض الشعاب المرجانية، وتراجع المخزون السمكي، وارتفاع مستوى سطح البحر سينعكس على لبنان كما على الاقتصاد العالمي.
وبالنسبة للبنان، لم يعد السؤال ما إذا كان الاقتصاد الأزرق مهمًا، بل ما إذا كانت أطر التعافي وإعادة الإعمار ستتعامل معه كأصل استراتيجي حقيقي قبل أن تُغلق نافذة الفرصة.