
العالم - في 20 كانون الثاني/يناير 2025، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً دعا فيه إلى تعليق المساعدات الإنمائية الخارجية الأميركية لمدة 90 يوماً ومراجعتها. وقد أثار هذا القرار حالة واسعة من عدم اليقين حول برامج صحية عالمية كبرى، من بينها البرامج المدعومة عبر الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وبرنامج الرئيس الأميركي الطارئ للإغاثة من الإيدز، المعروف اختصاراً باسم «بيبفار».
ومنذ إطلاقه عام 2003، يُعدّ «بيبفار» واحداً من أنجح مبادرات الصحة العامة في التاريخ الحديث. فقد ساهم البرنامج في إنقاذ أكثر من 25 مليون حياة، من خلال دعم أساليب الوقاية، وتوسيع الوصول إلى الفحوصات والعلاج، وتعزيز النظم الصحية المحلية في الدول الأكثر تأثراً بفيروس نقص المناعة البشرية.
وبعد أكثر من عام، بدأت آثار خفض التمويل وتعطّله تظهر بصورة متزايدة.
فقد أظهرت مذكرة جديدة حول أثر السوق، أصدرتها مبادرة كلينتون للوصول إلى الصحة في حزيران/يونيو 2026، أنّ خدمات مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية في عدد من الدول المختارة في أفريقيا وآسيا تراجعت في مجالات أساسية عدة، من الوقاية والفحوصات إلى علاج الأطفال والمتابعة الصحية. وتشير النتائج إلى تقلّص قاعدة الموارد، وازدياد الضغط على النظم الصحية الوطنية، وتنامي المخاوف بشأن القدرة على الوصول إلى خدمات منقذة للحياة.
الوقاية تتراجع
يُعدّ تراجع خدمات الوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية أحد أوضح مؤشرات الاضطراب. ووفقاً لمبادرة كلينتون للوصول إلى الصحة، انخفض عدد الأشخاص الذين بدأوا باستخدام الوقاية السابقة للتعرّض عن طريق الفم بنسبة 42% في عام 2025 مقارنة بعام 2024، وذلك في 10 دول شملها التقرير. ويمثّل ذلك نحو 677 ألف شخص أقل بدأوا باستخدام هذه الوسيلة الوقائية، وهو تراجع كبير في وقت تبقى فيه الوقاية عنصراً أساسياً للحد من الإصابات الجديدة.
في المقابل، سُجّل بعض التقدّم في مجال وسائل الوقاية طويلة المفعول. فقد ارتفع الالتزام المشترك بين الصندوق العالمي و«بيبفار» بشراء دواء «ليناكابافير» طويل المفعول من مليوني سنة علاجية للشخص إلى 3 ملايين سنة علاجية للشخص للفترة 2026-2028. غير أنّ هذا الرقم لا يزال بعيداً جداً عن الحاجة السنوية المقدّرة، والتي تقارب 20 مليون شخص يحتاجون إلى الوقاية السابقة للتعرّض.
الفحوصات والتشخيصات تتراجع أيضاً
لا يقتصر التراجع على خدمات الوقاية. فقد انخفضت فحوصات فيروس نقص المناعة البشرية بنسبة 12% في عام 2025 مقارنة بعام 2024، في ثماني دول شملها التقرير، أي ما يعادل نحو 5.8 ملايين فحص أقل.
ولهذا التراجع نتائج مباشرة. فقد انخفض عدد الحالات المؤكدة التي شُخّصت بفيروس نقص المناعة البشرية بنسبة 28%، ما يعني أنّ نحو 200 ألف شخص أقل تم تشخيصهم كحاملين للفيروس. فالفحوصات الأقل تعني تشخيصات أقل، والتشخيصات الأقل تعني دخول عدد أقل من الأشخاص إلى العلاج في وقت مبكر بما يكفي لحماية صحتهم والحد من انتقال الفيروس إلى آخرين.
وبالنسبة إلى برامج مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية، لا تُعدّ الفحوصات خدمة منفصلة بحد ذاتها، بل هي نقطة الدخول إلى الوقاية والعلاج والمتابعة والرعاية طويلة الأمد. وعندما تضعف خدمات الفحص، يتأثر مسار الرعاية بأكمله.
الأطفال يُتركون خلف الركب
ليس مفاجئاً أن يتحمّل الأطفال جزءاً كبيراً من تبعات هذه التخفيضات في الميزانيات. فقد أفادت مبادرة كلينتون للوصول إلى الصحة بأنّ عدد الأطفال الذين بدأوا العلاج بمضادات الفيروسات القهقرية انخفض بنسبة 15%، أي ما يعادل نحو 2,500 طفل أقل بدأوا العلاج في ثماني دول.
كما انخفض العدد الإجمالي للأطفال الذين يتلقون العلاج بمضادات الفيروسات القهقرية بنسبة 11%، أي ما يمثّل نحو 26 ألف طفل أقل على العلاج في تسع دول.
وغالباً ما تعتمد خدمات فيروس نقص المناعة البشرية الخاصة بالأطفال على رعاية متخصصة، ومتابعة مجتمعية، وربط فعّال بالعلاج. وعندما تتراجع الميزانيات، ويتم تقليص أعداد العاملين المجتمعيين، وتصبح إمدادات الفحوصات أقل انتظاماً، يصبح الأطفال أكثر عرضة لعدم الوصول إليهم أو تشخيصهم.
الدول تحاول سد الفجوة
استجابة لهذه الصدمة التمويلية، بدأت عدة دول البحث عن سبل لحماية خدمات فيروس نقص المناعة البشرية الأساسية.
وتُعدّ كينيا ورواندا من بين الدول التي أفادت ببذل جهود لتعبئة موارد محلية بهدف الحفاظ على برامج فيروس نقص المناعة البشرية ذات الأولوية، والتي كانت مدعومة سابقاً بالتمويل الأميركي. وقد شددت الدولتان على أهمية ضمان استمرارية العلاج للأشخاص المتعايشين مع الفيروس، كما تناقشان مخصصات مستقبلية في الميزانيات للعلاج بمضادات الفيروسات القهقرية، بهدف تجنب أي انقطاع في الوصول إلى الأدوية.
أما إثيوبيا، فقد طرحت ضريبة جديدة على الرواتب في إطار جهودها لمعالجة الفجوة المالية التي خلّفها تعليق تمويل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية. ومن المتوقع أن تساهم الأموال المقترحة في تمويل صندوق إثيوبي جديد للاستجابة لمخاطر الكوارث، على أن يدعم مشاريع كانت تموّل سابقاً من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، بما في ذلك أدوية فيروس نقص المناعة البشرية.
كما تعمل بوتسوانا وجنوب أفريقيا مع منظمات فقدت التمويل الأميركي من أجل إحالة المستفيدين إلى المرافق الحكومية للحصول على الخدمات الأساسية. وفي مالاوي، تنسّق الحكومة مع شركاء، من بينهم برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، للحفاظ على خدمات الفيروس وتعزيز القيادة الوطنية في تخطيط وإدارة تقديم الخدمات.
وتُظهر هذه الاستجابات أنّ الحكومات تحاول حماية الخدمات الحيوية. لكنها تكشف، في الوقت نفسه، حجم التحدي. فقد يساعد التمويل المحلي في الحد من الاضطراب الفوري، إلا أنّ العديد من الدول يُطلب منها اليوم تحمّل تكاليف كبيرة في وقت تعاني فيه ميزانيات الصحة أصلاً من ضغوط متزايدة.
لحظة حاسمة للاستجابة العالمية لفيروس نقص المناعة البشرية
تقدّم مذكرة مبادرة كلينتون للوصول إلى الصحة تحذيراً واضحاً: الاستجابة العالمية لفيروس نقص المناعة البشرية تدخل مرحلة هشّة. فالوقاية تتراجع، والفحوصات تنخفض، وعدد الأشخاص الذين يتم تشخيصهم أصبح أقل، فيما يزداد خطر ترك الأطفال خارج نطاق الرعاية.
وستكون الأشهر المقبلة حاسمة. فمن دون تحرّك منسّق، وتمويل محلي ودولي أقوى، وحماية دقيقة للخدمات الأساسية، قد تؤدي الاضطرابات التمويلية الأخيرة إلى تقويض سنوات من التقدّم في مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية.