
لبنان - ماذا لو لم تبقَ الأبحاث الأكاديمية محصورة داخل الجامعات، بل ساهمت في تشكيل قرارات الحكومة بشكل مباشر وفي الوقت الفعلي؟
في لحظة تتسم بالحرب، وتحديات الإصلاح، وتزايد فقدان الثقة بالمؤسسات الحكومية، يبحث لبنان عن حوكمة أكثر فعالية وحلول عملية للتحديات العامة المعقدة. في هذا السياق، تقدم الجامعة الأميركية في بيروت (AUB) مقاربة مختلفة تُحوّل المعرفة الأكاديمية إلى عمل سياساتي مباشر.
هذا التحوّل أصبح واضحًا بالفعل على أعلى المستويات.
على سبيل المثال، طلب رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مؤخرًا من منصة الانخراط الحكومي في الجامعة (GEP) رسم خريطة للخبرات الجامعية مقابل أولويات الإصلاح الوطنية.
وقد أدى ذلك إلى إطار عمل منظم يربط القدرات الأكاديمية باحتياجات الحكومة، إضافة إلى تقرير تأملي سياساتي مهم بعنوان: “سنة في المنصب: قراءة منظمة في عمل الحكومة (2025–2026)” تم تقديمه عام 2026.
منصة تعالج فجوة طويلة الأمد
تم إطلاق GEP في أوائل عام 2025 بعد أن أصبحت جاهزة للعمل في أيار 2024، وقد أُنشئت لمعالجة فجوة مستمرة تتمثل في بقاء البحث الأكاديمي داخل الجامعات، بينما يواجه صانعو السياسات صعوبة في الوصول إليه وتطبيقه.
وفي مقابلة حصرية مع "إنمائية"، أوضح الدكتور فادي الجردلي أن المنصة تعكس رؤية الجامعة الأوسع بقيادة رئيسها الدكتور فادلو خوري لتعزيز دور الجامعة في التنمية الوطنية، إضافة إلى الحاجة الإقليمية الأوسع لتعزيز الروابط بين الأوساط الأكاديمية والحكومة.
من البحث إلى العمل
ترتكز GEP على فكرة بسيطة: لا ينبغي أن تبقى المعرفة معزولة عن صنع القرار.
تُنشئ المنصة واجهة منظمة بين العلم والسياسات تربط الأدلة والخبرات الأكاديمية مباشرة بأولويات الحكومة. كما تنسجم مع الجهود العالمية مثل الشبكة الدولية للمشورة العلمية للحكومات (INGSA).
وبدلًا من كونها مركزًا بحثيًا تقليديًا، تعمل GEP كمنصة تنسيقية تجمع الكليات والباحثين والطلاب والشركاء للعمل على تحديات سياسات واقعية.
ويشمل عملها تقديم الاستشارات السياساتية، والدعم الفني، وبناء القدرات، والمشاريع التي يقودها الطلاب والمساهمة في إصلاح القطاع العام.
من التعاون إلى التنفيذ
من أبرز الأمثلة على دور GEP طلب رئيس الحكومة ربط خبرات الجامعة بالأولويات الوطنية، ما أدى إلى إطار عمل منظم وتقرير وطني سياساتي.
كما عملت المنصة مع مكتب وزير الدولة لشؤون الإصلاح الإداري (OMSAR) على إعادة تصميم أكثر من 2000 إجراء حكومي لدعم التحول الرقمي، بمشاركة مباشرة من الأساتذة والطلاب.
وتشمل المبادرات الأخرى استطلاعات وطنية، ومنصة رقمية للمهارات بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) للوزارات، ومساهمات في الاستراتيجية الصناعية للبنان وبرامج التعليم.
وعبر قطاعات مثل الصناعة والتعليم والشؤون الاجتماعية، تساهم GEP في تحويل الأفكار السياساتية إلى تطبيق، مما يعزز تقديم الخدمات العامة ويقوي المؤسسات بما يتماشى مع الهدف 16 من أهداف التنمية المستدامة، مع تعزيز الشراكات لتحقيق تنمية أكثر شمولًا واستدامة.
تحديات على أرض الواقع
بحسب الدكتور الجردلي، من أبرز التحديات الفجوة بين بطء البحث الأكاديمي وسرعة احتياجات السياسات. كما تؤثر التجزئة المؤسسية والبيروقراطية وضعف الثقة في البحث ونقص التمويل على التعاون.
تركّز GEP بشكل خاص على الطلاب الذين يشاركون في تدريب داخلي، وورش سياسات، ومشاريع ميدانية تضعهم في تماس مباشر مع العمل الحكومي، كما يحصل الباحثون على مسارات لتحويل أعمالهم إلى أثر عملي.
كما تعمل المنصة على تطوير برامج شهادات في صنع السياسات والحوكمة المبنية على الأدلة.
تحوّل في دور الجامعات
يشرح الدكتور الجردلي أن GEP تعكس تحولًا أوسع في دور الجامعات، من منتِجة للمعرفة إلى مساهم فاعل في الحوكمة.
لكن هذا التحول يحتاج إلى بنية واضحة، إذ إن غياب جسر منظم بين الجامعة والحكومة يؤدي غالبًا إلى بقاء الأبحاث دون استخدام.
توفر GEP هذا الجسر عبر نموذج ثنائي الاتجاه، حيث تستجيب الجامعات لاحتياجات السياسات، وفي الوقت نفسه تساعد الحكومات في توجيه أولويات البحث، ما يخلق حلقة تغذية راجعة مستمرة بين البحث وصنع القرار.
إعادة التفكير بدور الجامعات في السياسات
على عكس العديد من المبادرات في المنطقة، فإن GEP مدمجة بالكامل ضمن الجامعة الأمريكية في بيروت بدل أن تكون محصورة في مركز واحد، إذ تجمع الخبرات ضمن منصة واحدة تعمل مباشرة مع المؤسسات الحكومية.
هل توجد مؤسسات أخرى في لبنان لديها مبادرات مماثلة؟
بينما تنخرط جامعات في لبنان والمنطقة في السياسات العامة عبر مراكز بحثية أو معاهد سياسات أو برامج تنموية، غالبًا ما تكون هذه الجهود مجزأة وموجودة داخل كليات منفصلة أو مراكز مستقلة.
ما يميز GEP في AUB هو نموذجها المؤسسي الموحّد الذي يدمج كليات وتخصصات متعددة ضمن منصة منسقة واحدة. ويتيح هذا الهيكل ربط الخبرات الأكاديمية مباشرة بالمؤسسات الحكومية عبر شراكات منظمة، مما يسمح بانخراط أكثر تماسكًا وعلى نطاق أوسع.
وبهذا، تتجاوز GEP المبادرات المتفرقة نحو نموذج موحّد يوجّه موارد الجامعة بالكامل نحو التعاون مع الحكومة، مما يضع AUB كشريك منظم في صنع السياسات المبنية على الأدلة وإصلاح القطاع العام.
وبشكل عام، تُظهر هذه المبادرة تحولًا أوسع في كيفية نظر الجامعات في لبنان إلى دورها، من مجرد مراقبة التحديات العامة إلى المساهمة الفعلية في حلّها.
وفي بلد يواجه تحديات حوكمة معقدة، يصبح هذا التحول أكثر أهمية يومًا بعد يوم.