
لبنان - عندما افتُتح مقهى آغونيستا في الزلقا في كانون الأول 2018، قدّم فكرة جديدة إلى لبنان: مقهى لا يقتصر على استقبال الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية كزبائن، بل يدمجهم أيضاً كأعضاء أساسيين ضمن فريق العمل.
أسّسه أخصائي العلاج الفيزيائي وسام الحاج، متحدياً المفاهيم السائدة حول الإعاقة والعمل. ففي وقت كان فيه العديد من الأشخاص ذوي الإعاقة يواجهون عوائق كبيرة في الحصول على فرص عمل، أظهر آغونيستا أنهم قادرون على النجاح في وظائف تتطلب التفاعل المباشر مع الزبائن، عندما يُمنحون الدعم والفرص المناسبة.
وبعد قرابة ثماني سنوات، توسعت رسالة آغونيستا خارج المقهى، لتشمل تعزيز التوظيف الشامل في مختلف أنحاء لبنان من خلال برامج تدريبية، ودعم لأصحاب العمل، ومبادرات لتنمية القوى العاملة.
تأتي هذه الجهود في وقت يعزّز فيه لبنان التزامه الوطني تجاه دمج الأشخاص ذوي الإعاقة. ففي شباط 2026، أقرت الحكومة الاستراتيجية الوطنية لحقوق ودمج الأشخاص ذوي الإعاقة (2026–2030)، والتي تضع التوظيف الشامل ضمن أولوياتها.

شراكات جديدة لتعزيز الدمج المهني
في 30 حزيران، ستنظم آغونيستا برنامجاً تدريبياً ليوم كامل حول التوظيف الشامل بهدف مساعدة أصحاب العمل في لبنان على بناء بيئات عمل أكثر شمولاً.
ويقول الحاج لانمائية: "الهدف الأساسي من البرنامج هو سد الفجوة بين الأشخاص ذوي الإعاقة وسوق العمل من خلال إعداد الطرفين معاً".
ويأتي البرنامج في ظل سعي لبنان إلى تحسين فرص العمل لما يُقدّر بـ 400,000 شخص من ذوي الإعاقة، أي ما يقارب 10% من السكان، وفق منظمة الصحة العالمية.
وسيعمل على تزويد الأشخاص ذوي الإعاقة بالمهارات المهنية ومهارات بيئة العمل، إلى جانب مساعدة أصحاب العمل على فهم كيفية خلق بيئات داعمة وتوظيف الكفاءات المتنوعة بثقة.
وبدل التركيز فقط على التدريب، تهدف المبادرة إلى خلق فرص عمل فعلية، حيث سيحصل المشاركون على أدوات عملية، وفرص للانخراط في تدريب داخلي، إضافة إلى متابعة ودعم من فريق آغونيستا.
ويُنفّذ البرنامج بالشراكة مع منظمة MakeSense العالمية الداعمة للمبادرات الاجتماعية، وبدعم من وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية.

إعادة تعريف مفهوم العمل والقدرات
بالنسبة لآغونيستا، لا يقوم التوظيف الشامل على الشفقة، بل على الاعتراف بالموهبة وبناء مؤسسات أقوى.
ويؤمن الحاج أن التوظيف الشامل يمكّن الشركات من الوصول إلى موظفين ملتزمين، ويعزز ثقافة العمل، ويحسّن الاستبقاء الوظيفي. كما يمكن لبيئات العمل الشاملة أن تعزز روح الفريق والتواصل والعمل الإيجابي بين جميع الموظفين.
وخارج بيئة العمل، تظهر مقاربات مشابهة في الإعلام. فبودكاست Table 3 يضم أشخاصاً من ذوي الإعاقة كمقدّمين، ويضعهم في قلب الحوار بدلاً من أدوار الضيوف. وبذلك تُدار النقاشات بشكل مباشر من قبلهم، ما يسهم في تحدي الصور النمطية وإعادة تشكيل تمثيل التجارب الحياتية في الإعلام.
تقليص فجوة التوظيف
على الرغم من مهارات وقدرات العديد من الأشخاص ذوي الإعاقة، لا تزال التحديات كبيرة في لبنان.
وبحسب الحاج، فإن أبرز التحديات هي غياب الوعي والأدوات العملية أو الثقة لدى أصحاب العمل لتوظيف الأشخاص ذوي الإعاقة.
ويضيف: "هناك أيضاً فجوة بين التدريب والتوظيف"، أي أن الكثير من البرامج تكتفي بتعليم المهارات فقط، ولا تساعد المتدربين على إيجاد وظائف أو ربطهم مباشرة بأصحاب العمل.
وتسعى آغونيستا إلى سد هذه الفجوة من خلال ربط التدريب المهني بفرص التدريب العملي والتوظيف طويل الأمد.

التعديلات المطلوبة غالباً بسيطة
يفترض العديد من أصحاب العمل أن توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة يتطلب تعديلات مكلفة أو تغييرات كبيرة في بيئة العمل.
لكن الحاج يؤكد أن هذا اعتقاد خاطئ في كثير من الأحيان.
ويقول: "معظم التعديلات ليست مكلفة. في كثير من الحالات، يكفي تعديل أسلوب التواصل، أو تنظيم المهام بشكل مختلف، أو تقديم تعليمات أوضح".
ويشير الى أن نجاح الدمج يعتمد أساساً على مواءمة الأشخاص مع الوظائف المناسبة وتهيئة بيئات عمل داعمة.
تحديات مستمرّة
رغم تزايد الوعي بالتنوع والشمول، لا تزال العقبات قائمة.
تُعد الوصمة الاجتماعية من أبرز التحديات، إلى جانب ضعف معرفة أصحاب العمل بممارسات التوظيف الشامل. كما أدت الأزمة الاقتصادية في لبنان إلى جعل العديد من الشركات أكثر تحفظاً في التوظيف.
ولا تزال مسألة الوصول (Accessibility) تحدياً إضافياً، سواء على مستوى البنية التحتية أو أنظمة العمل.
لكن الحاج يرى أن الظروف الاقتصادية الصعبة تجعل الشمول أكثر أهمية.
ويقول: "في أوقات الأزمات، تكون الفئات الهشة أول من يُستبعد، ما يجعل عملنا أكثر ضرورة".

رؤية طويلة المدى لسوق عمل أكثر عدالة
على مدى السنتين إلى الثلاث سنوات المقبلة، تأمل آغونيستا أن تصبح مركزاً رائداً للدمج والابتكار الاجتماعي في لبنان.
وتخطط المؤسسة لتوسيع برامجها التدريبية، وتعزيز الشراكات مع أصحاب العمل، وتطوير نماذج قابلة للتوسع تصل إلى مختلف المناطق.
كما قد تشمل المبادرات المستقبلية خدمات التوظيف المباشر، واستشارات لأصحاب العمل، وبرامج تدريب، وحلول تعليم رقمية.
ويقول الحاج: "هدفنا طويل المدى ليس فقط إعداد الأفراد لسوق العمل، بل تغيير أنظمة التوظيف نفسها لتصبح أكثر شمولاً".

دور المؤسسات العامة في دعم التوظيف الشامل
تُظهر رحلة آغونيستا كيف يمكن للدمج أن ينتقل من النظرية إلى التطبيق العملي. ومن خلال تعميم هذه المقاربات، يمكن للبنان التوجه نحو سوق عمل أكثر مرونة وعدالة.
ويتطلب ذلك تنسيقاً أقوى بين مختلف الجهات المعنية، بما في ذلك المؤسسات الحكومية، البلديات، القطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، لضمان أن يصبح الدمج مسؤولية مشتركة وليس جهوداً متفرقة.
وتشمل التوصيات تعزيز حملات التوعية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والدمج الاجتماعي، وإدماج مبادئ التوظيف الشامل في الخدمات العامة، وتعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية بما يتماشى مع اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD) وإرشادات منظمة العمل الدولية بشأن الدمج.
كما يمكن للمؤسسات العامة دعم هذه الجهود عبر تبني سياسات توظيف شاملة، وتحسين معايير الوصول، وتقديم حوافز لأصحاب العمل، إضافة إلى تطوير برامج تدريب وشراكات وقواعد بيانات تربط الأشخاص ذوي الإعاقة بفرص العمل.
هذه الإجراءات يمكن أن تعزز مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل، وتحد من عدم المساواة، وتساهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في لبنان.