
لبنان - في السنوات الأخيرة، باتت كلمة «الصدمة» تُستخدم بشكل متزايد لوصف الأثر الخفي للأزمات المدمّرة التي تطال لبنان والمنطقة الأوسع. ففي المناطق المتأثرة بالنزاعات، أصبحت الصدمة جزءاً من الأحاديث اليومية. لكن ما هي الصدمة تحديداً؟ كيف نفهمها؟ وبأي طرق تؤثر في حياتنا ومجتمعاتنا؟
في مقابلة مع «إنمائيا»، أوضحت السيدة جنى منصور جمال الدين، الباحثة المشاركة في معهد علم الصدمات النفسية في الجامعة اللبنانية الأميركية، أن علم الصدمات النفسية هو الدراسة العلمية للصدمة النفسية، ويبحث في كيفية نشوئها، وتأثيرها في الأفراد والمجتمعات، والطرق التي يتعافى بها الناس منها.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في لبنان، حيث لا تُعدّ الصدمة ظاهرة معزولة، بل تجربة جماعية تشكّلت بفعل التعرّض الطويل للأزمات والأحداث القاسية. وقد أُنشئ معهد علم الصدمات النفسية انطلاقاً من هذا الواقع تحديداً. وتصف السيدة جمال الدين مهمته بأنها دراسة «التعرّض للصدمة ونتائجه في مختلف أنحاء المنطقة، ووضع مصطلحات وتدخلات موحّدة ومواءمة ثقافياً تتناسب مع الواقع اللبناني».
ما يميّز مقاربة المعهد عن كثير من الأطر الغربية التقليدية هو تركيزها على الصدمة التراكمية، أي تلك التي تتكوّن على مدى سنوات من التعرّض المتكرر للمصاعب والأزمات، لا نتيجة حدث واحد معزول. وفي السياق اللبناني، يتطلّب ذلك أيضاً إعادة التفكير في كيفية التعرّف إلى أعراض الصدمة؛ فبدلاً من حصرها في القلق أو الاكتئاب، يختبر كثيرون الضيق النفسي من خلال أعراض جسدية، مثل اضطرابات النوم، والإرهاق، أو الألم المزمن. ولهذا، كما تقول السيدة جمال الدين، يعتمد المعهد «مقاربة استباقية لدراسة التدخلات المبنية على الأدلة ومواءمتها، بما يستجيب لتجارب الصدمة المتنوعة في لبنان ومنطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا الأوسع».
المؤشرات وعوامل الحماية
غالباً ما يمكن تتبّع طريقة استجابة الأفراد للصدمة إلى تجاربهم المبكرة في الحياة. وتُظهر الأبحاث أن الشدائد المبكرة، مثل الإهمال، أو الإساءة العاطفية أو الجسدية، أو التعرّض السابق لأحداث صادمة، تزيد احتمال ظهور أعراض مرتبطة بالصدمة في مراحل لاحقة من الحياة.
لكن عوامل الحماية يمكن أن تخفّف هذه المخاطر بشكل كبير. ومن أبرز هذه العوامل الدعم الاجتماعي؛ إذ تمنح الروابط العائلية والمجتمعية القوية الأفراد أساساً لبناء مهارات تكيّف صحية، ومعالجة المشاعر، وحل المشكلات. وشدّدت السيدة جمال الدين على أهمية تعليم هذه المهارات في وقت مبكر، قائلة إن «الأطفال والأهل على حد سواء يمكن أن يستفيدوا من تعلّم مهارات تكيّف تكيفية، ولا سيما قبل وقوع أي أحداث صادمة، إذ يسعى المعهد إلى تعزيز استجابة استباقية للصدمة قبل الأحداث التي قد تكون صادمة، وأثناءها، وبعدها».
كيف تشكّل الثقافة طريقة تعاملنا مع الصدمة؟
تؤثر العائلة، والدين، والروابط المجتمعية، والذاكرة الجماعية في كل جانب تقريباً من جوانب اختبار الصدمة ومعالجتها. وكما توضح السيدة جمال الدين، فإن «العائلة أو المجتمع الذي يوفّر بيئة آمنة وداعمة يقرّ بمشاعر الحزن أو التوتر. إن إتاحة مساحة للتعبير وطلب المساعدة تُعدّ عاملاً أساسياً من عوامل الحماية».
وتُعدّ المجموعات الشبابية القائمة على الرياضة أو الفن أو المسرح مثالاً جيداً على ذلك، إذ تخلق روابط مجتمعية يمكن أن تعمل كحاجز يخفّف أثر الصدمة. ومع ذلك، تبقى العلاقة معقّدة. «وبالمثل، إذا واجه الطفل تجارب سلبية مبكرة ضمن سياق عائلته أو مجتمعه، فقد يؤدي ذلك إلى استمرار خطر ظهور الأعراض المرتبطة بالتعرّض للصدمة».
المرونة في مقابل الصمود
تُعرَّف المرونة بأنها القدرة على التكيّف بفاعلية مع التغيير والظروف الصعبة. لكنها لا تعني مجرّد الاستمرار في أداء الوظائف اليومية. وهذا تمييز بالغ الأهمية في لبنان، حيث يواصل كثيرون العمل والدراسة ورعاية عائلاتهم، ليس لأنهم تعافوا، بل لأنهم لا يملكون خياراً آخر.
إن التعرّض المتكرر للمصاعب يمكن أن يخفّف من حدة الطريقة التي يُشعر بها الضيق أو يُعبَّر عنه، ما يجعل من السهل الخلط بين التحمّل والتعافي. وفي هذا السياق، برز مفهوم لافت من العالم العربي، ولا سيما من الأراضي الفلسطينية، هو مفهوم «الصمود»، أو المرونة التحوّلية؛ وهو مقاومة جماعية ومجتمعية للصدمة، لا مجرد استجابة فردية لها.
«من التحولات اللافتة في أبحاث المرونة في المنطقة الانتقال من التركيز على الاستجابات الفردية للضيق إلى القدرة الجماعية على الاستجابة للصدمة ومقاومتها، وهو ما يسعى المعهد إلى استكشافه».
ومن المهم الإشارة إلى أنه رغم أن المرونة الجماعية تشكّل ركناً أساسياً في معالجة الأحداث الصادمة، فإن الحاجة لا تقل أهمية إلى مسار تعافٍ مستدام تدعمه السياسات والمؤسسات الحاكمة، بما يتيح الشفاء على المدى الطويل.
المضي قدماً: كيف يمكننا أن نتعافى؟
رغم ثقل التحديات المستمرة في لبنان، لا تزال هناك أسباب تدعو إلى الأمل. فقد عملت وزارة الصحة العامة والبرنامج الوطني للصحة النفسية بنشاط على دمج دعم الصحة النفسية في مراكز الرعاية الصحية الأولية والمبادرات المجتمعية. ومع ذلك، تشير السيدة جمال الدين إلى أن الوصول إلى الخدمات لا يزال العقبة الأكبر: «إن إمكانية الوصول، أكثر من الوصمة نفسها، تشكّل اليوم عائقاً أمام طلب خدمات الصحة النفسية في لبنان».
يكمن المسار إلى الأمام في استجابة وطنية عابرة للقطاعات، تتطلب عملاً منسقاً بين مختلف مكوّنات المجتمع اللبناني. ومن بين هذه التوصيات:
في المدارس، ينبغي إدماج مناهج تراعي الصدمة وتدريبات مبكرة على المرونة منذ سن صغيرة، بما يزوّد الطلاب والأهل معاً بأدوات التكيّف قبل وقوع الأزمة، لا بعدها.
في قطاع الرعاية الصحية، يجب توسيع واستدامة دمج دعم الصحة النفسية في الرعاية الأولية، وهو مسار بدأ بالفعل من خلال البرنامج الوطني للصحة النفسية، مع إيلاء اهتمام خاص للطرق الجسدية التي غالباً ما تظهر من خلالها الصدمة في لبنان، مثل الألم المزمن، والإرهاق، واضطرابات النوم.
في أماكن العمل، يمكن للمؤسسات أن تؤدي دوراً مهماً من خلال تدريب المديرين على التعرّف إلى علامات الضيق النفسي، وخلق بيئات يصبح فيها طلب المساعدة أمراً طبيعياً لا موصوماً.
وعلى مستوى المجتمع المحلي، تشير السيدة جمال الدين إلى أن المقاربة التصاعدية من القاعدة إلى القمة ضرورية. وهي مقاربة تمكّن القادة المجتمعيين، والمجموعات الشبابية، والمنظمات المحلية من أن يكونوا نقاط تماس أولى في مجال الصحة النفسية، ولا سيما أن إمكانية الوصول إلى الخدمات لا تزال تشكّل عائقاً كبيراً أمام معظم اللبنانيين اليوم.
«إن إمكانية الوصول، أكثر من الوصمة نفسها، تشكّل اليوم عائقاً أمام طلب خدمات الصحة النفسية في لبنان».
وينبغي أن يستند كل ذلك إلى إطار وطني للتعافي؛ أي آلية سياساتية عابرة للقطاعات تنسّق هذه الجهود، وتؤمّن تمويلاً مستداماً، وتُخضع المؤسسات للمساءلة عن نتائج الصحة النفسية، إلى جانب النتائج الاقتصادية أو السياسية.
في نهاية المطاف، ليس التعافي من الصدمة في لبنان رحلة فردية فحسب، بل هو مسار جماعي. وقد يكون بناء الأنظمة والمجتمعات القادرة على دعم هذا المسار أهم عمل في زمننا الراهن.