
لبنان – تم انتخاب حاكم مصرف لبنان كريم سعيد مؤخراً رئيساً لمجلس محافظي صندوق النقد العربي (AMF) للعام المقبل، خلال الاجتماع السنوي التاسع والأربعين للصندوق. ويطرح هذا الخبر سؤالاً أساسياً: ما هو صندوق النقد العربي؟ وما الذي يعنيه ذلك فعلياً للبنان؟
عن المؤسسة
تأسس صندوق النقد العربي عام 1976 وبدأ عمله عام 1977 من أبوظبي. وهو مؤسسة تابعة لجامعة الدول العربية، وتضم جميع الدول الأعضاء في الجامعة وعددها 22 دولة، بما فيها لبنان.
وينص اتفاق تأسيس الصندوق على سبعة أهداف، أهمها ثلاثة أهداف رئيسية متكررة: معالجة اختلالات ميزان المدفوعات بين الدول الأعضاء، إزالة القيود على المدفوعات الجارية بينها، ووضع سياسات مشتركة للتعاون النقدي العربي.
أما الأهداف الأربعة الأخرى فهي أكثر تحديداً، وتشمل: تقديم المشورة للدول الأعضاء بشأن استثمار مواردها المالية في الأسواق الخارجية عند الطلب، تعزيز تطوير الأسواق المالية العربية، تسوية المدفوعات الجارية بين الدول الأعضاء بما يشجع التجارة البينية العربية، وعلى المدى الطويل تمهيد الطريق نحو عملة عربية موحدة. إلا أن هذا الهدف الأخير لا يزال طموحاً منذ تأسيس الصندوق، ولم يتم تحقيق عملة عربية موحدة حتى اليوم.
في الممارسة العملية
تُترجم هذه الأهداف عملياً إلى نشاطين رئيسيين: الإقراض والبنية التحتية.
في جانب الإقراض، يقدم الصندوق قروضاً بشروط ميسرة مرتبطة ببرامج إصلاح متفق عليها، وقد استفادت منها دول مثل الأردن واليمن والمغرب ومصر، بهدف سد فجوات ميزان المدفوعات أو مواجهة صدمات مثل ارتفاع كلفة استيراد النفط.
أما في مجال البنية التحتية، فيُعد مشروع “بُنى” (Buna) أبرز مبادراته، وهو نظام مدفوعات متعدد العملات أُطلق عام 2018، يسمح للبنوك المركزية والتجارية العربية بتسوية المدفوعات عبر الحدود مباشرة، دون المرور عبر البنوك المراسلة الغربية. ويضم النظام اليوم أكثر من مئة بنك مشارك في المنطقة، إلى جانب شركاء دوليين مثل ماستركارد.
وضع لبنان
لبنان عضو مؤسس في صندوق النقد العربي منذ نحو خمسين عاماً، لكن وفق السجلات المتاحة، لم يستخدم بعد تسهيلات الإقراض التابعة للصندوق، كما أن البنوك اللبنانية لا تظهر ضمن المشاركين في نظام “بُنى”.
وتتجلى علاقة لبنان الأكثر نشاطاً مع المؤسسات المالية العربية المشتركة عبر صندوق التنمية الاقتصادي والاجتماعي العربي (AFESD) ومقره الكويت، وهو مؤسسة منفصلة عن صندوق النقد العربي، وتختلف في مهمتها.
فبينما يركز صندوق النقد العربي على دعم ميزان المدفوعات، يمول صندوق التنمية مشاريع طويلة الأمد تشمل البنية التحتية، المياه، التعليم، والكهرباء.
وقد قدّم الصندوق حتى اليوم 29 قرضاً للبنان بقيمة 549.5 مليون دينار كويتي، إضافة إلى 54 منحة بنحو 19.9 مليون دينار كويتي، لمشاريع تشمل نقل المياه، التعليم، والبنية التحتية العامة.
ومن أبرز هذه المشاريع مشروع نهر الليطاني لنقل المياه، الذي ساهم في استصلاح 15 ألف هكتار من الأراضي، إضافة إلى إنشاء الحرم الجامعي للجامعة اللبنانية الذي يضم 12 كلية ويستقبل آلاف الطلاب.
بعثة 2025 إلى بيروت
تم تأكيد هذه العلاقة خلال زيارة رفيعة المستوى إلى بيروت في أيار 2025، قادها المدير العام ورئيس مجلس إدارة الصندوق بدر السعد، وكانت أول زيارة رسمية للصندوق إلى لبنان منذ آذار 2023.
وجاءت الزيارة في وقت كان لبنان يشهد اهتماماً دولياً متجدداً عقب الانتخابات الرئاسية وخطوات أولية باتجاه التعافي الاقتصادي.
ومع محفظة استثمارات تقارب ملياري دولار في لبنان، أكد الصندوق استعداده لدعم الأولويات الوطنية والمساهمة في تسريع المشاريع التي تدعم التنمية والنمو الاقتصادي.
وشملت الزيارة اجتماعات مع مسؤولين لبنانيين لتحديد المشاريع القائمة أو المستقبلية التي يمكن إعطاؤها أولوية للتمويل، من دون الإعلان عن اتفاقيات جديدة آنذاك.
ما هو منصب الرئيس؟
رئاسة مجلس محافظي صندوق النقد العربي هي منصب دوري لمدة سنة واحدة، يتناوب عليه محافظو الدول الأعضاء. ويقتصر دور الرئيس على إدارة اجتماعات المجلس، وليس إدارة العمليات اليومية للصندوق، التي تقع على عاتق المدير العام.
وقد حضر الاجتماع السنوي التاسع والأربعون الذي انتخب فيه سعيد، وزراء مالية وحكام مصارف مركزية من السعودية، الإمارات، الكويت، سوريا، المغرب، عمان، والأردن، وتركزت النقاشات على تعزيز التعاون النقدي العربي ودعم اقتصادات الدول الأعضاء.
تعكس رئاسة لبنان لهذا المنصب واستمرار التعاون مع المؤسسات المالية العربية مكانته داخل النظام المالي العربي. أما ما إذا كان هذا التعاون سيترجم إلى نتائج اقتصادية ملموسة، فذلك يعتمد على مدى توافق الأولويات اللبنانية مع أطر التمويل والتعاون في هذه المؤسسات خلال المرحلة المقبلة.