
بيروت – يعمل نظام التعليم الرسمي في لبنان تحت ضغوط كبيرة ويواجه خطر الانهيار الهيكلي نتيجة عقود من نقص التمويل وأزمات متداخلة متعددة، وفقًا لورقة سياسات جديدة صادرة عن المركز اللبناني للدراسات السياسية (LCPS).
ويحذّر التقرير من أنه في حال عدم اتخاذ إجراءات عاجلة للاستقرار على المدى القصير وإصلاحات هيكلية أعمق، فإن لبنان مهدد بخسائر طويلة الأمد في رأس ماله البشري، مع احتمال ظهور ما يصفه بـ”جيل ضائع”، بما ستكون له تداعيات خطيرة على التنمية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي.
النظام تحت ضغوط متزايدة
حتى قبل الصدمات الجيوسياسية والاقتصادية الأخيرة، كان قطاع التعليم الرسمي في لبنان يعاني من ضغوط كبيرة. ومنذ عام 2019، تدهورت الأوضاع بشكل حاد نتيجة التضخم المفرط، وانهيار سعر العملة، واستمرار الأزمات الاجتماعية والاقتصادية.
ويُظهر التقرير تراجعًا حادًا في العملية التعليمية، إذ حصل طلاب المدارس الرسمية بين عامي 2019 و2023 على 270 يوم تدريس فقط من أصل 600 يوم مطلوب، ما يعكس اضطرابات كبيرة في العام الدراسي.
وفي الوقت نفسه، استوعب النظام تدفقًا كبيرًا للطلاب المنتقلين من المدارس الخاصة إلى الرسمية، حيث انتقل نحو 55 ألف طالب خلال العام الدراسي 2020–2021 وحده، ما زاد الضغط على البنية التحتية المحدودة أصلًا.
وتقدّر البنك الدولي أن إغلاق المدارس في عامي 2022 و2023 قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية تتراوح بين 217 مليون و253 مليون دولار.
وفي بعض المناطق، لا سيما في الجنوب، تم استخدام المدارس الرسمية كمراكز إيواء مؤقتة للنازحين داخليًا، ما زاد من الضغط على البنية التحتية.
تحديات هيكلية وإدارية
يشير تقرير المركز إلى وجود نقاط ضعف هيكلية عميقة في نظام التعليم، تشمل مركزية الإدارة، وعدم استقرار التمويل، وعدم المساواة في أجور المعلمين.
قيود الموازنة
تعمل وزارة التربية والتعليم العالي ضمن نظام مركزي للغاية، حيث يخضع تمويل القطاع في كثير من الأحيان لتجاذبات سياسية. وقد انخفضت حصة التعليم من الموازنة العامة إلى 4.33% في عام 2023، قبل أن ترتفع بشكل طفيف إلى 6.11% في عام 2024. ويشير التقرير إلى أن معظم التمويل يُستهلك في الرواتب، ما يحد من القدرة على تحسين التشغيل.
تفاوت أجور المعلمين
أدى انهيار العملة المحلية إلى تدهور كبير في دخول المعلمين، ما ساهم في الهجرة وارتفاع نسب الغياب. ويبرز التقرير تفاوتًا كبيرًا في الأجور، حيث يتقاضى بعض المعلمين المتعاقدين ما يعادل 1.68 دولار في الساعة، بينما يحصل آخرون على نحو 9 دولارات في الساعة وفقًا لنظام الدوام.
الاعتماد على المساعدات الدولية
ساهم التمويل الدولي، بما في ذلك دعم من منظمات مثل اليونيسف والبنك الدولي، في استمرار عمل جزء من النظام، خصوصًا في المدارس التي تستقبل طلابًا لاجئين. إلا أن التقرير يحذّر من أن الاعتماد الكبير على هذا الدعم يضعف الاستدامة على المدى الطويل ويحد من ملكية الدولة لسياسات التعليم.
وقد انخفض التمويل المخصص للمدارس التي تعتمد الدوام بعد الظهر للطلاب السوريين من 140 دولارًا للطالب إلى 80 دولارًا في العام الدراسي 2023–2024.
فجوات في الشمول
يشير التقرير أيضًا إلى قصور كبير في الشمولية والإنصاف، إذ إن 116 مدرسة رسمية فقط مجهزة لاستقبال الأطفال ذوي الإعاقة، وهي نسبة ضئيلة جدًا من إجمالي الطلاب. كما يسلط الضوء على تأثير الضغوط الاقتصادية على الطالبات، حيث تواجه نسبة كبيرة منهن صعوبات في الحصول على مستلزمات النظافة الصحية، ما يؤدي إلى الغياب وارتفاع معدلات التسرب.
توصيات للإصلاح
تقترح الورقة مسارًا مزدوجًا لمنع المزيد من التدهور في قطاع التعليم.
إجراءات قصيرة المدى
تثبيت تعويضات المعلمين عبر زيادات مرتبطة بالتضخم
ضمان تمويل مستقر لتشغيل المدارس الأساسية، بما في ذلك المرافق
إصلاحات متوسطة وطويلة المدى
اللامركزية: منح مديري المدارس صلاحيات مالية أوسع
إصلاح المالية العامة: تقليل الهدر وزيادة تعبئة الموارد المحلية
بنية تحتية مستدامة: الاستثمار في الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية
إصلاحات الحوكمة: تعزيز مجالس الأهل والمشاركة المجتمعية
الشمول والرفاه: توسيع خدمات الصحة النفسية والبنية التحتية الداعمة وسياسات مراعية للنوع الاجتماعي
ويخلص التقرير إلى أنه في حال عدم التدخل العاجل، فإن نظام التعليم في لبنان سيواصل التدهور، مع تداعيات طويلة الأمد على القوى العاملة والتعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.