
بيروت - كشف تقرير جديد صادر عن منظمة العمل الدولية (ILO) عن تدهور حاد في سوق العمل اللبناني، إذ فقد نحو ثلث العاملين في القطاع الخاص وظائفهم عقب تجدد الأعمال العدائية في آذار 2026، في وقت يواصل فيه النزوح الواسع والانكماش الاقتصادي تعميق الأزمة المعيشية.
ويستند التقرير، الذي يحمل عنوان "سوق العمل في لبنان في خضم الأزمة: تقييم آثار تجدد النزاع وعدم الاستقرار الإقليمي"، إلى مسح شمل 2,485 عاملاً وعاملة في القطاع الخاص أُجري خلال أيار 2026، ويخلص إلى أن الصدمة الأمنية الأخيرة فاقمت هشاشة سوق العمل الذي كان يعاني أساساً من تداعيات الأزمة الاقتصادية الممتدة منذ سنوات.
ورغم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في 19 حزيران 2026، يشير التقرير إلى أن الأوضاع الإنسانية لا تزال هشة، مع استمرار تعذر عودة آلاف الأسر إلى مناطقها، ولا سيما في الجنوب والنبطية، نتيجة استمرار القيود المرتبطة بالمنطقة العازلة.
نزوح واسع وتغيرات في أوضاع الأسر
أظهر التقرير أن 37.4% من العمال المشاركين في المسح كانوا نازحين عند إجرائه. وسجلت محافظة النبطية أعلى نسبة نزوح بلغت 97.6%، تلتها محافظة الجنوب بنسبة 57.6%، ثم جبل لبنان بنسبة 33.6%.
وأدى النزوح إلى زيادة متوسط حجم الأسرة من 4.9 أفراد قبل الأزمة إلى 6.2 أفراد، نتيجة استضافة الأقارب وتقاسم المساكن، في حين انخفض متوسط عدد العاملين داخل الأسرة الواحدة من 2.0 إلى 1.6، ما زاد الضغوط الاقتصادية على الأسر.
ثلث العاملين خارج سوق العمل
وفقاً للتقرير، توقف 33% من العاملين في القطاع الخاص عن العمل، بينهم 28.2% أصبحوا عاطلين عن العمل، بينما خرج 4.7% من القوى العاملة بالكامل.
وكان النزوح أحد أبرز العوامل المرتبطة بفقدان الوظائف، إذ فقد نحو ثلثي العمال النازحين أعمالهم، بحسب التقرير.
وتفاوتت خسائر الوظائف بين المناطق والقطاعات، حيث سجلت محافظة النبطية أعلى نسبة فقدان للوظائف بلغت 76.5%، تلتها محافظة الجنوب بنسبة 43.2%، بينما كانت النسب أقل في عكار (13.7%) والشمال (9.1%).
أما على مستوى القطاعات الاقتصادية، فقد كانت الأنشطة العقارية والترفيهية، والعمل المنزلي، والخدمات الإدارية، وقطاع الإقامة والطعام من بين الأكثر تضرراً، في حين سجلت قطاعات تكنولوجيا المعلومات، والخدمات المالية، والطاقة والمياه خسائر أقل نسبياً.
الفئات الأكثر هشاشة تكبدت الخسائر الأكبر
يشير التقرير إلى أن تأثير الأزمة لم يكن متساوياً بين مختلف الفئات.
فقد بلغت نسبة فقدان الوظائف بين الأشخاص ذوي الإعاقة 71.4%، ولم يتمكن أي منهم من العثور على عمل جديد حتى موعد إجراء المسح.
كما فقدت 44.3% من النساء وظائفهن، مع استمرار تحديات إضافية تعيق عودتهن إلى سوق العمل، من بينها مسؤوليات الرعاية الأسرية وارتفاع تكاليف النقل.
وسجل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً نسبة فقدان وظائف بلغت 42.4%، فيما خسر 39.4% من اللاجئين السوريين أعمالهم، وأفاد معظم العاطلين منهم بأن نقص فرص العمل يشكل العقبة الرئيسية أمام إعادة التوظيف.
كما حذر التقرير من توسع العمالة غير المنظمة، إذ انتقل 61.3% ممن اضطروا لتغيير وظائفهم إلى أعمال غير رسمية، مع انخفاض متوسط أجورهم بنسبة 30.7%.
تراجع حاد في الدخل وضعف في شبكات الحماية
حتى العاملون الذين احتفظوا بوظائفهم لم يسلموا من تداعيات الأزمة، إذ انخفض متوسط دخولهم بنسبة 14.8%.
وعند احتساب خسارة دخل العاملين الذين فقدوا وظائفهم، يقدر التقرير أن إجمالي دخل العمل في لبنان تراجع بنسبة 40.4%، بالتزامن مع تقليص 28.3% من العمال أيام عملهم، فيما أفاد 33.5% بأنهم لا يشعرون بأي استقرار وظيفي.
وفي المقابل، يلفت التقرير إلى محدودية الدعم الرسمي، إذ لم يتلق مساعدات مالية حكومية سوى 4% من العمال اللبنانيين، مقابل 0.4% فقط من العمال السوريين.
كما اضطر 33.4% من العمال السوريين، و27.8% من اللبنانيين، و27.1% من الفلسطينيين إلى خفض إنفاقهم على الغذاء كإحدى وسائل التكيف مع الأزمة.
دعوة إلى تدخل عاجل
أكدت منظمة العمل الدولية أن الوقف الكامل والدائم للأعمال العدائية يمثل الشرط الأساسي لتعافي سوق العمل، داعية إلى تدخل سريع من المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.
وشملت أبرز توصياتها إطلاق برامج كثيفة العمالة في مشاريع البنية التحتية لخلق فرص عمل سريعة، وتقديم دعم للأجور في القطاعات الأكثر تضرراً، وتوفير مساعدات موجهة للنساء والأشخاص ذوي الإعاقة والمؤسسات الصغيرة، إلى جانب تعزيز الحماية القانونية للعمال المهاجرين، بمن فيهم العاملون في الخدمة المنزلية.
وخلص التقرير إلى أن التعافي الاقتصادي لن يكون ممكناً من دون استعادة فرص العمل، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، ودعم الفئات الأكثر تضرراً من النزاع.