
لبنان - يُحتفل في 12 تموز من كل عام باليوم الدولي لمكافحة العواصف الرملية والترابية، وهو مناسبة للتذكير بأن السماء المغطاة بالغبار ليست مجرد ظاهرة جوية عابرة.
عندما تصل عاصفة غبارية إلى لبنان، تكون العلامات الأولى واضحة للعيان: تتحول السماء إلى اللون البرتقالي، ويصبح الهواء ثقيلاً، وتغطي طبقة رقيقة من الغبار الشرفات والسيارات والشوارع. وقد تنتهي العاصفة خلال ساعات أو أيام، لكن آثارها قد تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك.
فالعواصف الرملية والترابية ليست مجرد ظواهر جوية غير اعتيادية، بل ترتبط بالصحة العامة، وجودة الهواء، والإنتاج الغذائي، والطاقة، والنقل، وقدرة الدول على الاستعداد للمخاطر البيئية.
وفقاً للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، تؤثر هذه العواصف على نحو 330 مليون شخص في أكثر من 150 دولة، فيما يدخل ما يقارب ملياري طن من الغبار إلى الغلاف الجوي سنوياً، ويأتي جزء كبير منه من شمال أفريقيا والشرق الأوسط.
وقد اختبر لبنان بالفعل تداعيات هذه الظاهرة. ففي العاصفة الغبارية الإقليمية الكبرى التي ضربت المنطقة في أيلول 2015، أعلنت وزارة الصحة العامة تسجيل نحو 750 حالة صعوبة في التنفس وحالتي وفاة.
كما أظهرت أبحاث حول جودة الهواء في بيروت أن تركيز الجسيمات الخشنة ارتفع بنسبة 48.5% خلال فترات العواصف الغبارية، بينما زادت الجسيمات الدقيقة بنسبة 14.6%.
وبالنسبة لمدينة تعاني أصلاً من انبعاثات حركة المرور، ومولدات الديزل، وغبار ورش البناء، وضعف أنظمة مراقبة جودة الهواء، تضيف العواصف الغبارية الإقليمية ضغطاً إضافياً على البيئة والصحة العامة.
وتبقى الفئات الأكثر عرضة للخطر هي غالباً الأقل حماية، ومن بينهم الأطفال، وكبار السن، والعاملون في الهواء الطلق، والأشخاص الذين يعانون من الربو أو أمراض القلب والرئة.
لكن تأثير العواصف الغبارية لا يقتصر على الصحة فقط.
يمكن للغبار أن يتراكم على المحاصيل، ويؤثر على الرؤية وحركة النقل، كما يمكن أن يقلل من كفاءة الألواح الشمسية. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في لبنان، حيث تعتمد أعداد متزايدة من الأسر والشركات على الطاقة الشمسية.
كما يؤثر ذلك على المزارعين الذين يواجهون أصلاً تحديات مرتبطة بنقص المياه، وارتفاع التكاليف، وتغير أنماط الطقس.
وأشارت دراسة نُشرت عام 2025 حول أحداث الغبار الشديدة في منطقة شرق المتوسط إلى أن لبنان يقع ضمن الدول التي تعبرها مسارات الكتل الهوائية الإقليمية المرتبطة بهذه الظواهر.
ورغم أن الدراسة ركزت بشكل أساسي على العراق، فإن رسالتها الأوسع مهمة بالنسبة للبنان: فالغبار لا يعرف الحدود. إذ قد تكون العاصفة التي تضرب دولة ما مرتبطة بظروف جوية وتدهور أراضٍ يبعد مئات الكيلومترات.
وهذا يجعل العواصف الرملية والترابية قضية تنموية بقدر ما هي قضية بيئية، إذ ترتبط بعدد من أهداف التنمية المستدامة، بما في ذلك الصحة، والطاقة النظيفة، والمدن المستدامة، والعمل المناخي، وحماية الأراضي، والشراكات الإقليمية.
ما يزال لبنان يفتقر إلى صورة وطنية واضحة حول هذه الظاهرة. فلا تتوفر حتى الآن بيانات عامة طويلة الأمد كافية لتأكيد ما إذا كانت العواصف الغبارية أصبحت أكثر تواتراً.
لكن غياب البيانات لا يعني غياب الخطر، بل يشير إلى الحاجة لتعزيز أنظمة المراقبة، وتطوير الإنذارات المبكرة، وتوفير إرشادات صحية واضحة، وتعزيز التعاون الإقليمي.
في هذا اليوم الدولي، لا يتمثل التحدي أمام لبنان فقط في التعامل مع العاصفة عند تحول السماء إلى اللون الغباري، بل في بناء أنظمة الرصد والتوعية العامة والتعاون الإقليمي اللازمة قبل وصول العاصفة المقبلة.