
المنطقة العربية — يصادف يوم 11 تموز اليوم العالمي للسكان، وهو مناسبة لتسليط الضوء على قضايا تنظيم الأسرة، وصحة الأم، والمساواة بين الجنسين، والتنمية المستدامة. ففي أوائل سبعينيات القرن الماضي، كانت المرأة تنجب في المتوسط 4.5 أطفال؛ وبحلول عام 2015، انخفض معدل الخصوبة الكلي عالميًا إلى أقل من 2.5 طفل لكل امرأة. وفي المقابل، ارتفع متوسط العمر المتوقع عالميًا من 64.6 سنة في أوائل التسعينيات إلى 72.6 سنة في عام 2019.
ما هو معدل الخصوبة الكلي؟
معدل الخصوبة الكلي هو متوسط عدد الأطفال الذين يُتوقع أن تنجبهم المرأة خلال حياتها، بافتراض أنها تعيش طوال سنوات الإنجاب، وأنها تتعرض لمعدلات الولادة الحالية الخاصة بكل فئة عمرية.
ويُعرف معدل الخصوبة البالغ نحو 2.1 طفل لكل امرأة باسم "مستوى الإحلال السكاني". ويعني ذلك أن السكان يعوّضون أنفسهم من جيل إلى آخر من دون احتساب أثر الهجرة. وبعبارة أخرى، يشير معدل خصوبة أعلى من 2.1 إلى نمو سكاني محتمل، بينما يشير معدل أقل من 2.1 إلى احتمال تباطؤ النمو السكاني وتقدّم السكان في العمر.
ما هي الأرقام في المنطقة العربية؟

نظرة أقرب إلى معدل الخصوبة الكلي
عند النظر بتفصيل أكبر، يظهر نمط واضح: الدول التي تسجل أعلى معدلات خصوبة، وهي اليمن والسودان وفلسطين والعراق، تتجاوز جميعها معدل 3 أطفال لكل امرأة. كما أن هذه الدول الأربع شهدت اضطرابات كبيرة خلال العقد الماضي، بما في ذلك نزاعات مسلحة ممتدة.
ما الذي يفسر ارتفاع معدل الخصوبة في هذه الدول؟
يميل النزاع المسلح إلى إبقاء معدلات الخصوبة مرتفعة من خلال مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها تزايد انعدام الأمان الاجتماعي، وتعطّل خدمات الصحة الإنجابية، وانخفاض مستويات تعليم الفتيات والنساء.
يرتبط فقدان خدمات الصحة الإنجابية ارتباطًا وثيقًا بتراجع القدرة على الوصول إلى وسائل منع الحمل وخدمات تنظيم الأسرة. ففي أثناء النزاعات النشطة، نادرًا ما يكون بناء البنية التحتية الصحية اللازمة لتلبية الطلب على خدمات تنظيم الأسرة أولوية. وحتى عندما تكون هذه الخدمات متاحة، قد تواجه أحيانًا مقاومة إذا لم تكن منسجمة مع الحساسيات الثقافية أو الدينية المحلية.
ويُعد انخفاض تعليم الإناث عاملًا آخر مهمًا. فالأبحاث تربط باستمرار بين تعليم الفتيات والعمر الذي يتزوجن فيه وعدد الأطفال الذين ينجبنهم لاحقًا. إذ تنخفض معدلات الخصوبة كلما ارتفع تعليم النساء مقارنة بالرجال، وتشير بعض الدراسات إلى أن رفع تعليم النساء من نصف مستوى تعليم الرجال إلى مستوى مساوٍ له يرتبط بانخفاض الخصوبة من نحو ستة أطفال لكل امرأة إلى طفلين فقط.
ويعطّل النزاع هذا المسار بشكل مباشر. فقد وجدت نماذج بحثية درست الآثار الديموغرافية للنزاعات المسلحة أن الفتيات اللواتي يتعرضن للنزاع قبل سن الحادية عشرة يتزوجن في عمر أبكر، ويبدأن الإنجاب في وقت أقرب، وينجبن عددًا أكبر من الأطفال خلال حياتهن مقارنة بغيرهن، حتى بعد احتساب عوامل مثل التعليم، والثروة، ومكان السكن.
وهناك أيضًا فكرة راسخة في علم السكان تُعرف أحيانًا بفرضية "الأمان في سن الشيخوخة" أو "التأمين". ومفادها أنه في البيئات غير المستقرة أو محدودة الموارد، قد يصبح إنجاب عدد أكبر من الأطفال شكلًا من أشكال التحوّط: أي مزيدًا من الأيدي لدعم الأسرة، وفرصة أكبر لبقاء بعض الأبناء حتى سن الرشد لرعاية الأهل عند التقدم في العمر. وفي مناطق النزاع النشط، قد تصبح هذه المعادلة أكثر حضورًا. فالنزاعات المسلحة تعرّض أعدادًا هائلة من النساء والأطفال للخطر والنزوح؛ وقد تأثر أكثر من 630 مليون شخص عام 2017 وحده. وفي مناخ يسوده الفقد وعدم اليقين، قد تبدو الأسرة الكبيرة بالنسبة إلى البعض مصدرًا عاطفيًا للاستقرار وشبكة أمان عملية في الوقت نفسه.
الدول التي تشهد تراجعًا في معدل الخصوبة
على الرغم من ارتفاع المعدلات في بعض الدول، تُظهر السنوات الأخيرة تراجعًا عامًا في الخصوبة على مستوى المنطقة العربية. فقد ابتعدت كل من مصر والمملكة العربية السعودية عن ذروات الخصوبة التي شهدتها في العقدين الأولين من الألفية، حين كانت المعدلات في البلدين تتجاوز 3 أطفال لكل امرأة. أما تونس والإمارات العربية المتحدة فقد ذهبتا أبعد من ذلك، إذ انخفضتا إلى ما دون مستوى الإحلال السكاني، حيث يبلغ المعدل في تونس حاليًا 1.8، وفي الإمارات 1.2، وهما من بين أدنى المعدلات في المنطقة.
ما الذي يدفع معدل الخصوبة إلى الانخفاض؟
أظهر مسح "المستقبل الديموغرافي" الصادر حديثًا عن صندوق الأمم المتحدة للسكان لعام 2026، والمستند إلى إجابات أكثر من 108 آلاف شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و39 عامًا في 73 دولة، أن الانخفاض العالمي في الخصوبة لا يعني أن الشباب لا يرغبون في إنجاب الأطفال، بل إن كثيرين منهم يشعرون بأنهم غير قادرين على تكوين الأسرة التي يرغبون بها.
تصدّر الأمن المالي قائمة الشروط التي قال المشاركون إنهم يحتاجون إليها قبل الدخول في علاقة أو شراكة، إذ أشار إليه 81% من المستجيبين. كما قال 88% إن الأمن المالي شرط أساسي قبل إنجاب الأطفال، يليه بشكل وثيق الاستقرار الوظيفي والاستعداد العاطفي.
وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحديدًا، يظهر هذا الضغط الاقتصادي من خلال ارتفاع تكاليف تربية الأطفال، والتضخم، وتزايد مشاركة النساء في سوق العمل، وسوق سكن تجعل التخطيط لتأسيس أسرة أكثر صعوبة.
وإلى جانب العوامل الاقتصادية، تلعب التحولات الثقافية دورًا أيضًا: فهناك عدد أكبر من النساء اللواتي يسعين إلى بناء مسارات مهنية ويؤجلن الزواج، إلى جانب فتور نسبي لدى الأجيال الجديدة تجاه تكوين الأسرة في سن مبكرة، وتراجع تدريجي في قوة المعايير التقليدية التي كانت تجعل الأسر الكبيرة الخيار المتوقع أو السائد.
في المقابل، ساهمت عدة مكاسب في مجال الصحة العامة بهدوء في خفض معدلات الخصوبة. ومن بينها تحسّن الرعاية الصحية الأولية ودمج خدمات تنظيم الأسرة فيها، وازدياد ثقة الأهل ببقاء الأطفال على قيد الحياة حتى سن الرشد، وانخفاض وفيات الرضع والأمهات، واتساع الوصول إلى وسائل منع الحمل الحديثة، وتعزيز خدمات صحة الأم والطفل، وزيادة القدرة الاستيعابية للمستشفيات مقارنة بحجم السكان، وتنامي مشاركة الرجال في قرارات تنظيم الأسرة.
مجتمعةً، تعني هذه التحولات أن الأسر لم تعد تشعر بالحاجة نفسها إلى إنجاب أطفال "إضافيين" كنوع من التأمين ضد الفقد. ومع الضغوط الاقتصادية المشار إليها، باتت هذه العوامل تعيد تشكيل حجم الأسرة تدريجيًا في مختلف أنحاء المنطقة.
إذن، ماذا يعني كل ذلك؟
عند جمع هذه المؤشرات معًا، تكشف خريطة الخصوبة في العالم العربي عن قصتين متداخلتين في الوقت نفسه: دول تركت النزاعات آثارها العميقة فيها، حيث لا تزال الأسر الكبيرة تمثل نوعًا من شبكة الأمان؛ ودول أخرى تتحرك بفعل التعليم، وتحسّن الرعاية الصحية، والحياة الحضرية، حيث بدأ إنجاب طفلين أو أقل يبدو كافيًا لكثير من الأسر.