لبنان – مع استمرار تداعيات الحرب والنزوح في لبنان، برزت إشكالية قانونية جديدة مرتبطة بعقود الإيجار، ولا سيما في المناطق التي شهدت أعمالاً عسكرية وأدت إلى إخلاء السكان من منازلهم. ففي وقت وجد فيه آلاف المستأجرين أنفسهم عاجزين عن الانتفاع بالمساكن التي يستأجرونها بسبب الظروف الأمنية، خسر العديد من المالكين مصدر دخل أساسي يعتمدون عليه لتأمين معيشتهم.

ولا تقتصر هذه القضية على بعدها التعاقدي، بل تمتد إلى قضايا أوسع تتعلق بحق السكن بوصفه أحد مقومات الحماية الاجتماعية، وبالهشاشة الاقتصادية التي تواجهها الأسر المتضررة من النزاع، سواء كانت مستأجرة أو مالكة. كما يطرح استمرار النزوح وتعطل عقود الإيجار تحديات أمام إعادة الاستقرار للمجتمعات المحلية، في ظل الحاجة إلى إيجاد توازن بين حماية الحقوق التعاقدية وضمان الحد الأدنى من الاستقرار السكني والاجتماعي.

وفي هذا السياق، يبرز سؤال قانوني أساسي: هل تؤدي الحرب والظروف الأمنية التي تمنع المستأجر من الانتفاع بالعقار إلى تعليق التزامه بدفع الإيجار؟ وهل يمكن اعتبار هذه الظروف قوة قاهرة تسقط الالتزامات العقدية؟

وبحسب دراسة قانونية حول الآثار القانونية الناجمة عن أحداث العنف الدائرة في الجنوب اللبناني على تنفيذ العقود والالتزامات، فإن هذه الإشكالية تندرج ضمن نقاش أوسع بشأن تأثير الأزمات الاستثنائية على العقود، ولا سيما في ما يتعلق بمفهومي القوة القاهرة والظروف الطارئة.

القوة القاهرة في القانون اللبناني: مفهوم غير محدد تشريعياً

لا يتضمن القانون اللبناني تعريفاً واضحاً ومباشراً للقوة القاهرة، لا أن الاجتهادات والكتابات القانونية قدمت تعريفات تساعد في تحديد مفهومها.

وبحسب ما ورد في الدراسة القانونية، يعرّف جورج سيوفي، الأستاذ والباحث في القانون المدني اللبناني، في كتابه "النظرية العامة للموجبات والعقود" القوة القاهرة بأنها:

"كل حدث خارجي غير منتظر وغير متوقع ولا يمكن التغلب عليه والتحرر منه."

أما خليل جريج، وهو أحد أبرز فقهاء القانون المدني في لبنان، فيعتبرها:

"الحادث أو الحدث المفاجئ، وهو عارض أو ظرف لا شأن للإنسان فيه، إذ إنه يخرج عن إرادته وفعله ولا يمكن توقعه ولا دفعه."

كما أشارت هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل إلى أن القوة القاهرة هي ظرف أو عامل غير متوقع وغير قابل للمقاومة، يقع بفعل مستقل عن الشخص الذي يتمسك به، ولم يكن بإمكانه توقعه أو الوقاية منه.

وبالتالي، لا يكفي أن يكون الحدث صعباً أو استثنائياً حتى يعتبر قوة قاهرة، بل يجب أن تتوافر شروط قانونية محددة.

الشروط الثلاثة للقوة القاهرة

بحسب الدراسة القانونية، تقوم القوة القاهرة على ثلاثة عناصر أساسية:

أولاً: عدم توقع الحدث

يجب أن يكون الحدث خارجاً عن الأحداث الطبيعية التي يمكن توقعها عند تنفيذ العقد.

فالعمليات العسكرية الواسعة، والقصف، والنزوح الجماعي الناتج عنها، قد تشكل أحداثاً غير متوقعة بالنسبة إلى أطراف العقد، خصوصاً عندما تؤدي إلى إخلاء مناطق كاملة من سكانها.

لكن مجرد وقوع الحرب لا يؤدي تلقائياً إلى اعتبار كل الالتزامات ساقطة، إذ يجب دراسة تأثير الحرب على كل عقد بصورة منفصلة.

ثانياً: عدم إمكانية منع الحدث أو تفادي آثاره

يشترط القانون أن يثبت الطرف المتضرر أنه لم يكن قادراً على منع الحدث أو تجنب آثاره.

وفي حالة النزوح القسري، قد يكون المستأجر غير قادر على العودة إلى منزله بسبب المخاطر الأمنية، وهو أمر خارج عن إرادته.

لكن الإشكالية القانونية تكمن في تحديد ما إذا كان عدم الانتفاع بالعقار يجعل دفع الإيجار مستحيلاً، أم أنه يمثل فقط صعوبة أو عبئاً إضافياً.

ثالثاً: الطابع الخارجي للحدث

يجب أن يكون الحدث ناتجاً عن عامل خارجي لا علاقة لإرادة الطرف المتضرر به.

وبالتالي، فإن الحرب والأعمال العسكرية تعتبر بطبيعتها أحداثاً خارجة عن إرادة المستأجر أو المالك.

أثر القوة القاهرة على العقود والالتزامات

يقوم القانون اللبناني على مبدأ أساسي، وهو أن العقد ملزم لطرفيه، أي أن كل طرف يجب أن يلتزم بما اتفق عليه، ولا يمكنه التراجع عن التزاماته لمجرد حدوث أزمة أو ظروف صعبة.

وتؤكد المادة 221 من قانون الموجبات والعقود هذا المبدأ، إذ تنص على أن العقود المبرمة بصورة قانونية تُلزم المتعاقدين، ويجب تنفيذها بحسن نية وبما ينسجم مع العدالة والعرف.

إلا أن القانون يعترف بوجود حالات استثنائية يصبح فيها تنفيذ الالتزام مستحيلاً بسبب ظروف خارجة عن إرادة الطرف الملتزم، مثل القوة القاهرة.

ولتوضيح ذلك، ففي عقد الإيجار يكون المستأجر ملزماً بدفع بدل الإيجار، بينما يكون المالك ملزماً بتمكين المستأجر من الانتفاع بالمأجور. وإذا حالت قوة قاهرة دون تنفيذ أحد هذين الالتزامين، يتدخل القانون لتحديد ما إذا كان الالتزام يسقط أو يستمر.

وتنص المادة 243 على أنه إذا أصبح تنفيذ الالتزام مستحيلاً بسبب ظرف خارج عن إرادة الطرف الملتزم، فإن هذا الالتزام يسقط. وإذا كان العقد يرتب التزامات متبادلة بين الطرفين، فإن سقوط التزام أحدهما قد يؤدي أيضاً إلى سقوط الالتزام المقابل.

كما تنص المادة 341 على أن الالتزام ينقضي إذا أصبح تنفيذه مستحيلاً استحالة فعلية أو قانونية، شرط ألا يكون الطرف الملتزم قد تسبب بهذه الاستحالة.

وتوضح المادة 343 أن القوة القاهرة لا تعفي الطرف الملتزم من جميع واجباته تلقائياً، بل تعفيه فقط من الالتزامات التي أصبح تنفيذها مستحيلاً بسبب هذه الظروف.

وبالتالي، فإن مجرد وقوع حرب أو نزاع أو كارثة لا يؤدي تلقائياً إلى إنهاء العقد أو إعفاء أحد الطرفين من التزاماته، بل يجب التحقق أولاً مما إذا كانت هذه الظروف قد جعلت تنفيذ الالتزام مستحيلاً فعلاً، أو أنها جعلته أكثر صعوبة فقط.

هل الحرب في الجنوب قوة قاهرة أم ظروف طارئة؟

رغم أن الحرب قد تبدو مثالاً واضحاً للقوة القاهرة، إلا أن القضاء اللبناني يتشدد في اعتماد هذا الوصف بسبب آثاره الكبيرة على العقود.

وتوضح الدراسة أن الفرق الأساسي بين المفهومين يكمن في طبيعة تأثير الحدث:

في حالة القوة القاهرة: يصبح تنفيذ الالتزام مستحيلاً، ما قد يؤدي إلى سقوط الالتزام أو فسخ العقد.

أما في حالة الظروف الطارئة: لا يصبح التنفيذ مستحيلاً، لكنه يصبح مرهقاً بشكل كبير ويهدد التوازن المالي للمدين.

وبحسب التحليل القانوني، فإن أحداث العنف في الجنوب اللبناني قد تكون أقرب إلى وصف الظروف الطارئة أكثر من القوة القاهرة المطلقة، لأن العديد من الحالات لا تؤدي إلى استحالة نهائية لتنفيذ العقد، بل إلى صعوبة موقتة أو جزئية.

اجتهادات حرب تموز 2006: الصعوبة لا تعني دائماً قوة قاهرة

استندت الدراسة القانونية إلى تحليل هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل لأحداث حرب تموز 2006.

وقد اعتبرت الهيئة، برئاسة القاضي شكري صادر، أن القوة القاهرة يجب أن تكون غير قابلة للتجنب وأن تمنع تنفيذ الالتزام بشكل جذري.

وبالتالي، فإن مجرد وجود صعوبات كبيرة في التنفيذ لا يكفي لاعتبار الحدث قوة قاهرة، ما لم تجعل التنفيذ مستحيلاً بالكامل.

ما هي النتائج القانونية إذا اعتبرت الحرب قوة قاهرة؟

حتى إذا اعتُبرت الظروف الأمنية قوة قاهرة، فإن أثرها على العقد يختلف بحسب مدى تأثيرها على تنفيذ الالتزامات:

• إذا كانت الظروف موقتة:

قد يقرر القاضي تعليق تنفيذ العقد موقتاً إلى أن تزول هذه الظروف، من دون أن يُلغى العقد أو يُعفى أي من الطرفين نهائياً من التزاماته.

• إذا منعت تنفيذ جزء من الالتزامات فقط:

قد تسقط الالتزامات التي أصبح تنفيذها مستحيلاً، وقد تسقط أيضاً الالتزامات المقابلة لها، وفقاً للمادة 243 من قانون الموجبات والعقود.

• إذا أصبح تنفيذ العقد مستحيلاً بالكامل:

كأن يصبح تنفيذ العقد غير ممكن نهائياً بسبب القوة القاهرة، فقد يجيز القانون فسخ العقد وإنهاء الالتزامات الناشئة عنه.

غياب تشريع خاص يترك المستأجرين والمالكين أمام اجتهادات مختلفة

تشير الدراسة إلى أن القانون اللبناني لا يمنح القاضي صلاحية واضحة للتدخل في تعديل العقود وإعادة التوازن بين الأطراف عند وقوع ظروف استثنائية.

ففي العديد من الأنظمة القانونية، يمكن للقاضي تعديل الالتزامات عندما تصبح مرهقة بشكل غير عادل، إلا أن القانون اللبناني لا يتضمن نصاً عاماً واضحاً بهذا الشأن.

هذا الفراغ التشريعي يجعل النزاعات المتعلقة بالإيجارات خلال الحرب خاضعة لتفسيرات متعددة، ويضع المستأجرين والمالكين أمام حالة من عدم اليقين القانوني.

سوابق لبنانية لتعليق المهل خلال الأزمات

تظهر التجارب السابقة أن المشرّع اللبناني تدخل في مراحل الأزمات لتعليق المهل القانونية والعقدية.

فخلال الحرب اللبنانية، صدر القانون رقم 50/1991 الذي علّق المهل القانونية والقضائية والعقدية.

كما صدرت قوانين لتعليق المهل خلال جائحة كورونا، منها:

• القانون رقم 160/2020

• القانون رقم 185/2020

• القانون رقم 199/2020

• القانون رقم 212/2021

أما خلال حرب تموز 2006، فقد صدر قانون بتاريخ 21 كانون الأول 2006 علّق سريان جميع المهل القانونية والقضائية والعقدية المتعلقة بالحقوق المدنية والتجارية خلال فترة الحرب.

ويشكّل هذا النهج أساساً قانونياً يمكن البناء عليه لاستحداث إطار تشريعي أكثر شمولية واستدامة، لا يقتصر على تعليق المهل عند وقوع الأزمات، بل يضع قواعد واضحة لمعالجة آثار الحروب والنزاعات والكوارث على العقود والالتزامات، بما يحقق توازناً بين حماية الحقوق التعاقدية، وضمان الأمن القانوني، وتعزيز الحماية الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي.

الحاجة إلى تدخل تشريعي لمعالجة أزمة الإيجارات

تخلص الدراسة إلى أن حماية حقوق المتضررين من الحرب تتطلب تدخلاً تشريعياً سريعاً، خصوصاً من خلال إصدار قانون ينظم تعليق بعض المهل والالتزامات خلال الفترات الاستثنائية.

فمثل هذا التدخل يمكن أن يحقق توازناً بين مصالح المستأجرين الذين فقدوا القدرة على الانتفاع بمنازلهم، والمالكين الذين يعتمدون على الإيجارات كمصدر دخل.

وفي ظل استمرار النزوح وعدم وضوح الموقف القانوني، يبقى الحل الأكثر استقراراً مرتبطاً بإيجاد إطار تشريعي واضح يمنع تراكم النزاعات القضائية ويؤمن حماية قانونية للطرفين، بالتوازي مع تعزيز التنسيق بين الوزارات المعنية والبلديات لوضع آليات تنفيذية فعالة تراعي الواقع الاجتماعي والاقتصادي للأسر المتضررة، وتساهم في الحفاظ على الاستقرار السكني ودعم التعافي وإعادة الاستقرار في المجتمعات المتأثرة بالنزاع.