
بوسان، كوريا الجنوبية - انطلقت اليوم أعمال الدورة الثامنة والأربعين للجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، والتي تستضيفها مدينة بوسان الكورية الجنوبية خلال الفترة الممتدة من 20 إلى 29 تموز 2026، بمشاركة نحو 3,000 مندوب وخبير وممثل عن 196 دولة، إلى جانب منظمات دولية وهيئات غير حكومية معنية بحماية التراث الثقافي والطبيعي.
وتُعد هذه المرة الأولى التي تستضيف فيها كوريا الجنوبية اجتماعات اللجنة منذ انضمامها إلى اتفاقية التراث العالمي عام 1988، في خطوة تعكس المكانة المتنامية التي تحتلها البلاد في مجال الثقافة وحماية التراث.
كما تشهد الدورة الحالية حضورًا لبنانيًا بارزًا على مستوى قيادة أعمال اللجنة، إذ يشغل لبنان منصب نائب رئيس لجنة التراث العالمي للدورة الثامنة والأربعين، إلى جانب كل من جامايكا والسنغال وتركيا وأوكرانيا، فيما يتولى السفير الكوري الجنوبي السابق لدى اليونسكو لي بيونغ-هيون رئاسة اللجنة، وتضطلع جامايكا بمهمة المقرر.
ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه لبنان أداء دور فاعل داخل اللجنة، بصفته أيضًا عضوًا منتخبًا فيها للفترة الحالية، ما يتيح له المشاركة في مناقشة واتخاذ القرارات المتعلقة بإدراج مواقع جديدة على قائمة التراث العالمي، ومتابعة حالة صون المواقع المدرجة، وصياغة السياسات الخاصة بتنفيذ اتفاقية التراث العالمي.
ويُعد لبنان من الدول المؤسسة لعلاقته مع اليونسكو، إذ انضم إلى المنظمة عام 1946، ويضم حاليًا ستة مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي، هي: عنجر، بعلبك، جبيل، وادي قاديشا وغابة أرز الرب، صور، ومعرض رشيد كرامي الدولي في طرابلس (أُدرج عام 2023). كما يضم ثلاثة عناصر على قائمة التراث الثقافي غير المادي، وثلاث محميات للمحيط الحيوي، إضافة إلى موقعين على سجل ذاكرة العالم، ويشارك في برامج اليونسكو المختلفة من خلال الوفد الدائم للجمهورية اللبنانية لدى اليونسكو واللجنة الوطنية اللبنانية لليونسكو.
ما هي لجنة التراث العالمي؟
لجنة التراث العالمي هي الهيئة الرئيسية المسؤولة عن تنفيذ اتفاقية حماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي التي اعتمدتها اليونسكو عام 1972، ودخلت حيز التنفيذ عام 1975.
وجاء إنشاء الاتفاقية استجابةً لتزايد المخاطر التي تهدد المواقع الطبيعية والثقافية ذات القيمة الإنسانية الاستثنائية، خاصة بعد نجاح الحملة الدولية لإنقاذ معابد أبو سمبل في مصر خلال ستينيات القرن الماضي، والتي أبرزت أهمية التعاون الدولي لحماية التراث المشترك للبشرية.
وتضم اللجنة 21 دولة عضواً تُنتخب من قبل الدول الأطراف في الاتفاقية، التي يبلغ عددها اليوم نحو 196 دولة، وتجتمع مرة واحدة سنوياً لاتخاذ القرارات المتعلقة بإدارة قائمة التراث العالمي.
لماذا أُنشئت اتفاقية التراث العالمي؟
تهدف الاتفاقية إلى حماية المواقع التي تمتلك "قيمة عالمية استثنائية"، سواء كانت:
مواقع ثقافية.
مواقع طبيعية.
مواقع مختلطة تجمع بين الجانبين الثقافي والطبيعي.
كما تسعى إلى:
حماية التراث الإنساني للأجيال المقبلة.
تشجيع التعاون الدولي في أعمال الحفظ والصون.
تقديم الدعم الفني والمالي للدول التي تحتاج إلى حماية مواقعها.
تعزيز التنمية المستدامة من خلال الحفاظ على التراث.
وتضم قائمة التراث العالمي اليوم أكثر من 1,200 موقع موزعة على مختلف دول العالم.
ماذا تفعل لجنة التراث العالمي؟
لا يقتصر دور اللجنة على إدراج مواقع جديدة على قائمة التراث العالمي، بل يشمل أيضاً:
تقييم ملفات الترشيح الجديدة.
متابعة حالة حفظ المواقع المدرجة.
إدراج المواقع المهددة على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر عند الحاجة.
مراجعة تنفيذ الدول لالتزاماتها بموجب الاتفاقية.
تطوير السياسات والإرشادات الخاصة بحماية التراث العالمي.
مناقشة القضايا الناشئة التي تؤثر على المواقع، مثل تغير المناخ والكوارث الطبيعية والنزاعات المسلحة.
بوسان 2026... أول استضافة لكوريا الجنوبية
شهد حفل الافتتاح حضور الرئيس الكوري الجنوبي لي جيه ميونغ، والمدير العام لليونسكو خالد العناني، إلى جانب كبار مسؤولي المنظمة وممثلي الدول الأعضاء.
وأكد الرئيس الكوري أن التراث العالمي "ليس مجرد إرث من الماضي، بل هو رمز يوحّد الإنسانية عبر الحدود ويشكل أساساً للسلام والتعاون"، فيما وصف العناني المواقع الكورية المدرجة على القائمة بأنها تعكس "تنوع التاريخ الكوري"، مشيداً باستضافة بوسان لهذا الحدث العالمي.
وتخلل الافتتاح عروض ثقافية جمعت بين التراث الكوري التقليدي والفنون المعاصرة، كما ألقى نجم الكيبوب العالمي جي دراغون، السفير الفخري للدورة، كلمة شدد فيها على أن الفن يمكن أن يكون أداة لحماية التراث وتعزيز السلام.
أبرز الملفات المطروحة على جدول أعمال دورة 2026
أولاً: إدراج مواقع جديدة
تنظر اللجنة هذا العام في:
30 ملف ترشيح جديداً للإدراج على قائمة التراث العالمي.
3 طلبات لتوسيع أو تعديل مواقع مدرجة سابقاً.
ومن أبرز الملفات المطروحة اقتراح توسيع موقع المسطحات الطينية الكورية (Getbol)، الذي أُدرج عام 2021، بإضافة أربع مسطحات طينية ساحلية جديدة، بعدما أوصى الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة بالموافقة على التوسعة.
ثانياً: تقييم حالة الحفاظ على المواقع
ستراجع اللجنة حالة صون 147 موقعاً مدرجاً على قائمة التراث العالمي، مع التركيز على التحديات التي تواجهها، مثل:
تغير المناخ.
النزاعات المسلحة.
الضغوط السياحية.
التوسع العمراني.
التلوث البيئي.
ثالثاً: المواقع المعرضة للخطر
سيحظى ملف المواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر باهتمام خاص، إذ ستبحث اللجنة تقارير الحفظ الخاصة بها، وتقرر ما إذا كانت ستبقى على القائمة أو تحتاج إلى إجراءات إضافية لضمان حمايتها.
رابعاً: قضية منجم سادو الياباني
من أكثر الملفات حساسية خلال دورة هذا العام متابعة تنفيذ اليابان لتعهداتها المتعلقة بموقع منجم سادو، الذي أُدرج على قائمة التراث العالمي عام 2024.
وتطالب مسودة القرار اليابان بتقديم عرض أكثر شمولاً لتاريخ الموقع، بما يشمل عمليات تجنيد العمال الكوريين قسراً خلال فترة الاستعمار الياباني لشبه الجزيرة الكورية (1910-1945).
ويرى مشروع القرار أن الجهود اليابانية الحالية لا تزال غير كافية لتوثيق التاريخ الكامل للموقع، ومن المتوقع أن تعتمد اللجنة القرار ما لم تعترض الدول الأعضاء.
خامساً: إعلان بوسان
من المتوقع أن تناقش اللجنة اعتماد "إعلان بوسان"، الذي يقترح إضافة "التعاون" كهدف استراتيجي سادس لتنفيذ اتفاقية التراث العالمي.
وسيصبح التعاون إلى جانب الأولويات الخمس التقليدية المعروفة داخل اليونسكو باسم الـ5Cs، وهي:
المصداقية (Credibility).
الحفظ (Conservation).
بناء القدرات (Capacity-building).
التواصل (Communication).
المجتمعات (Communities).
ويأتي هذا المقترح استجابةً لتزايد الدعوات إلى تعزيز التعاون الدولي لمواجهة التحديات العابرة للحدود، وعلى رأسها تغير المناخ والكوارث الطبيعية والنزاعات.
كيف تغيرت أولويات اللجنة خلال السنوات الأخيرة؟
على مدى العقود الماضية، شهدت لجنة التراث العالمي تحولًا تدريجيًا في أولوياتها، فلم يعد عملها يقتصر على إدراج مواقع جديدة في قائمة التراث العالمي، بل اتسع ليشمل مواجهة التحديات المتزايدة التي تهدد هذا الإرث الإنساني المشترك. فمع تصاعد تأثيرات تغير المناخ، والنزاعات المسلحة، والكوارث الطبيعية، والضغوط الناتجة عن التوسع العمراني والسياحة، أصبحت اللجنة تتبنى نهجًا أكثر شمولًا يربط بين حماية التراث والتنمية المستدامة والتعاون الدولي.
في السنوات السابقة، انصبّ اهتمام اللجنة بصورة رئيسية على تقييم ملفات الترشيح الجديدة، والحفاظ على أصالة المواقع المدرجة، وتعزيز الأطر القانونية والإدارية الخاصة بحمايتها.
أما في عام 2023، فقد برزت قضايا جديدة على جدول الأعمال، في مقدمتها تأثير النزاعات المسلحة على مواقع التراث، ولا سيما في أوكرانيا، إلى جانب تعزيز تمويل عمليات الصون، وزيادة مشاركة المجتمعات المحلية في إدارة المواقع وحمايتها.
وفي عام 2024، اتجهت المناقشات نحو تأثيرات تغير المناخ على مواقع التراث، وتشجيع السياحة المستدامة، وحماية التنوع البيولوجي في المواقع الطبيعية، فضلاً عن دعم الدول النامية في إعداد ملفات ترشيح جديدة لقائمة التراث العالمي.
أما عام 2025، فقد شهد تركيزًا أكبر على تعزيز قدرة مواقع التراث على الصمود أمام الكوارث الطبيعية والأزمات، والتوسع في استخدام التقنيات الرقمية لتوثيق التراث، وحماية عناصر التراث غير المادي المرتبطة بالمواقع، إضافة إلى إشراك الشباب بصورة أكبر في جهود الحفظ والصون.
وتكشف أجندة دورة بوسان 2026 عن انتقال واضح نحو رؤية أكثر تكاملًا، تركز على تعزيز التعاون الدولي باعتباره عنصرًا أساسيًا في حماية التراث، وهو ما يتجسد في المقترح الخاص بإضافة "التعاون" كهدف استراتيجي سادس إلى أولويات اللجنة الخمس. كما تشمل أولويات الدورة مواجهة آثار تغير المناخ، ومتابعة التزام الدول بتنفيذ تعهداتها بعد إدراج المواقع، وتعزيز حماية المواقع الواقعة في مناطق النزاعات، وبناء القدرات ونقل الخبرات، وتوسيع مشاركة المجتمعات المحلية، وتوظيف الثقافة كأداة لتعزيز السلام والتفاهم بين الشعوب. ويعكس هذا التحول إدراكًا متزايدًا بأن حماية التراث العالمي لم تعد مسؤولية دولة بعينها، بل مسؤولية جماعية تتطلب تعاونًا دوليًا لمواجهة التحديات العابرة للحدود.
لماذا تكتسب دورة 2026 أهمية خاصة؟
لا تأتي دورة بوسان في وقت يشهد فيه العالم تصاعداً غير مسبوق في المخاطر التي تهدد التراث فحسب، بل تعكس أيضاً تحولاً في فلسفة حماية التراث نفسها. فبعد عقود كان التركيز فيها منصباً على تسجيل المواقع وإدارتها، أصبحت الأولوية اليوم تتمثل في ضمان قدرة هذه المواقع على الصمود أمام التغيرات البيئية والسياسية والاجتماعية، وتعزيز التعاون الدولي باعتباره شرطاً أساسياً للحفاظ على التراث الإنساني المشترك.
ومع انطلاق أعمال اللجنة، ستحدد القرارات التي ستصدر خلال الأيام المقبلة مستقبل عشرات المواقع المرشحة للإدراج، كما سترسم ملامح السياسات الدولية لحماية التراث العالمي في السنوات المقبلة، في ظل تزايد الضغوط التي تفرضها الأزمات العالمية على هذا الإرث الذي يمثل ذاكرة الإنسانية المشتركة.