
الشرق الأوسط - يُقدّر إجمالي الإنفاق في سوق الرعاية الصحية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنحو 241.13 مليار دولار أميركي. ومع النمو السكاني، والتوسع في البنية التحتية، والارتفاع الحاد في معدلات الأمراض المزمنة، يُتوقع أن يرتفع هذا الإنفاق إلى 412.25 مليار دولار بحلول عام 2032. لكن يبقى السؤال الأهم: ما مدى فعالية هذه الأنظمة الصحية؟
النظام الصحي الناجح هو نظام عادل يضمن للجميع الحصول على الرعاية الأساسية قبل أن يتحول المرض إلى أزمة، بصرف النظر عن الدخل أو مكان السكن أو الظروف الاجتماعية. ويعني ذلك تمكين الفئات الأكثر ضعفاً من الحصول على اللقاحات والفحوصات الدورية والمتابعة المنتظمة لحالات مثل السكري وارتفاع ضغط الدم بالقرب من أماكن سكنهم. ومع ذلك، لا تزال كلفة الرعاية الصحية تشكل عبئاً كبيراً على العديد من الأسر في المنطقة.
في المنطقة العربية، تدفع الأسر ما بين 30% و40% من إجمالي الإنفاق الصحي مباشرة من أموالها الخاصة، وهي نسبة تفوق بكثير المتوسط المسجل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والبالغ 14%.
ويصبح تحمّل هذا الخلل أكثر صعوبة مع مرور الوقت. ففي عام 2019، شكّلت الأمراض غير السارية، ومنها أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري والسرطان، نحو 78% من الوفيات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومع تقدّم السكان في السن، ستواصل الحاجة إلى المتابعة والعلاج والرعاية طويلة الأمد ارتفاعها. لذلك، تواجه المنطقة سؤالاً تنموياً أساسياً: هل ينبغي أن تستمر الموازنات الصحية المحدودة في إعطاء الأولوية لعلاج مضاعفات الأمراض، أم أن تستثمر في الوقاية منها قبل حدوثها؟
لماذا يحظى العلاج بالأولوية في المنطقة؟
يظهر الانحياز إلى العلاج على حساب الوقاية بوضوح في طريقة عمل الأنظمة الصحية. فالمستشفيات مؤسسات ظاهرة وضرورية في حالات الطوارئ، كما أن احتياجاتها واضحة ومباشرة، مثل الأسرّة والمعدات والعمليات الجراحية والأدوية. في المقابل، قد تحتاج نتائج الوقاية إلى سنوات حتى تظهر، أي إلى فترة تتجاوز غالباً دورة إعداد الموازنة الحكومية.
كما تؤثر أنظمة الدفع في سلوك مقدمي الخدمات الصحية. فعندما يتقاضى مقدم الخدمة بدلاً مالياً عن كل استشارة أو فحص أو إجراء طبي، يؤدي تقديم المزيد من الخدمات إلى تحقيق إيرادات أكبر. أما الاستشارات الوقائية المنتظمة، والاتصالات المخصصة للمتابعة، والإدارة المنسقة للأمراض المزمنة، فمن الصعب إدراجها ضمن آليات الدفع التقليدية. ووجدت مراجعة إقليمية لمنظمة الصحة العالمية أن مقدمي الخدمات في القطاع الخاص، الذين يوفرون النسبة الأكبر من الرعاية في إقليم شرق المتوسط، يميلون عموماً إلى التركيز على الخدمات العلاجية لأسباب تجارية.
تؤثر خيارات المرضى أيضاً، لكن لا ينبغي التعامل مع مسألة «الثقة» بوصفها مشكلة ثقافية. فإذا كان مركز الرعاية الصحية الأولية يعمل في أوقات غير منتظمة، أو يعاني نقصاً في الأدوية، أو يفتقر إلى الفحوصات الأساسية ونظام واضح للإحالة، فقد يكون توجّه المريض مباشرة إلى طبيب اختصاصي قراراً منطقياً. فالثقة تأتي نتيجة الاعتمادية وجودة الخدمة. ولا يمكن أن تصبح الرعاية الأولية الخيار الأول للمرضى من خلال حملات التوعية وحدها، بل يجب أن توفر باستمرار كوادر مؤهلة وأدوية أساسية ومسارات واضحة للإحالة إلى مستويات الرعاية الأكثر تخصصاً.
نمط إقليمي واختلافات بين الدول
توضح تجربتا تونس والمغرب أهمية جعل الرعاية الوقائية مكوناً أساسياً في السياسات الصحية، خصوصاً مع توجه الدول نحو تحقيق التغطية الصحية الشاملة. فتوسيع نطاق التغطية وحده لا يكفي إذا لم يتمكن الناس من الحصول على خدمات موثوقة في مجالي الرعاية الأولية والوقاية.
تبرز تونس الفجوة بين امتلاك نظام صحي عام واسع وبين توفير التمويل الكافي لتشغيله بفعالية. فقد أظهر تقييم أصدره البنك الدولي عام 2026، استناداً إلى بيانات الإنفاق لعام 2021، أن أكثر من 80% من الإنفاق الصحي الحكومي وُجّه إلى الخدمات العلاجية، فيما خُصص نحو 5% فقط لخدمات الوقاية والصحة العامة. كما بقي الإنفاق على مرافق الرعاية الأولية منخفضاً إلى درجة أعاقت قدرة المراكز على تقديم خدماتها الأساسية بصورة منتظمة.
وقد وسّعت تونس سياستها الصحية الوطنية ضمن استراتيجية إصلاح تقودها الحكومة، وتركز على تعزيز العدالة في الوصول إلى الرعاية وإعطاء الأولوية للخدمات الوقائية والحماية الصحية. ويأتي ذلك بعد موافقة البنك الدولي على قرض بقيمة 125.16 مليون دولار لتحسين الاستعداد لمواجهة الجوائح، وتعزيز خدمات الطوارئ، وتحديث خدمات الرعاية الصحية الأولية، ودعم الحوكمة والتحول الرقمي في النظام الصحي العام.
أما المغرب، فيتقدم نحو تحقيق التغطية الصحية الشاملة من خلال إصلاحات تهدف إلى توسيع الحماية من المخاطر الصحية عبر زيادة التغطية بالتأمين الصحي، وتحديث الخدمات، وتحسين التوزيع العادل للعاملين في القطاع الصحي. لكن تجربته تُظهر أن توسيع التأمين الصحي وحده لا يكفي.
فبحلول يونيو/حزيران 2023، شملت التغطية بالتأمين الصحي 80% من سكان المغرب. ومع ذلك، بقي الوصول إلى الخدمات متفاوتاً، خصوصاً في المناطق الريفية والنائية، حيث يضطر السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المرافق الصحية، فضلاً عن النقص في الكوادر الصحية. وبين عامي 2024 و2025، أعاد برنامج مدعوم من البنك الدولي تأهيل 200 مرفق للرعاية الصحية الأولية، ضمن جهود أوسع لتحسين الكوادر وجودة الخدمات وتعزيز وصول المجتمعات المحرومة إلى الرعاية.
في لبنان، يبدو الخلل أكثر حدة. فقد أظهر تحليل لتمويل القطاع الصحي صدر عام 2025 بدعم من اليونيسف أن 64% من موازنة الصحة العامة لعام 2024 أُنفقت على فواتير المستشفيات، فيما خُصصت نسبة 22% للأدوية. في المقابل، تعمل شبكة مراكز الرعاية الصحية الأولية تحت ضغوط مالية شديدة، ولا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الجهات المانحة ومقدمي الخدمات من القطاع غير الحكومي. وتحدد «الاستراتيجية الوطنية للصحة: رؤية 2030» في لبنان هيمنة الرعاية الاستشفائية والتخصصية على الرعاية الوقائية والأولية باعتبارها إحدى نقاط الضعف المزمنة في النظام الصحي.
هل تُخفّض الوقاية التكاليف فعلاً؟
يشير تحليل إقليمي أصدره البنك الدولي عام 2025 إلى أن الرعاية الأولية الوقائية والتدخلات الرامية إلى تحسين السلوكيات الصحية يمكن أن تخفّض تكاليف الصحة مستقبلاً. فاللقاحات، ومكافحة التدخين، وضبط ضغط الدم، والفحوصات الموجهة، كلها إجراءات يمكن أن تمنع مضاعفات صحية باهظة الكلفة.
لكن برامج الفحص المبكر لا توفر المال بالضرورة في جميع الحالات، كما أن برامج الوقاية المصممة بصورة غير سليمة قد تؤدي إلى إجراء فحوصات وعلاجات غير ضرورية. لذلك، لا ينبغي أن يقتصر الهدف على زيادة الإنفاق تحت مسمى «الوقاية»، بل يجب توجيه التمويل نحو تدخلات أثبتت فعاليتها وتتناسب مع طبيعة الأمراض المنتشرة في كل دولة.
يتطلب الإصلاح الفعّال للنظام الصحي ضمان حزمة واضحة من خدمات الرعاية الأولية، وربط جزء من مدفوعات مقدمي الخدمات باستمرارية الرعاية والنتائج المحققة، مثل ضبط ضغط الدم واستكمال اللقاحات. كما يتطلب دمج السجلات الصحية وأنظمة الإحالة، وإلزام مقدمي الخدمات المتعاقد معهم من القطاع الخاص بتوفير الخدمات الوقائية والإبلاغ عنها. وتحتاج مراكز الرعاية الأولية أيضاً إلى موازنات تشغيلية مستقرة وطويلة الأمد، لا إلى تمويل البنية التحتية والمشروعات القصيرة فقط.
في جوهره، يُعد الاستثمار في الوقاية إصلاحاً يهدف إلى تحقيق العدالة الصحية. فالمدفوعات المباشرة من أموال الأسر تشكل في المتوسط 38.8% من إجمالي الإنفاق الصحي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ما يضع العبء الأكبر على الأسر الأقل قدرة على تحمّل كلفة تشخيص أو علاج غير متوقع. وتقرّب الرعاية الأولية المتاحة الدعم الصحي المبكر من المجتمعات الريفية وذوي الدخل المحدود والنازحين. وقد تكون الوقاية أقل ظهوراً من افتتاح جناح جديد في مستشفى، لكنها عندما تنجح، تقلّل أساساً عدد الأسر التي تضطر إلى الوصول إلى المستشفى.


