
العالم – تؤثر أزمة المناخ بشكل متزايد على تعليم الأطفال وصحتهم، في وقت تفرض فيه الظواهر الجوية المتطرفة تحديات جديدة على المدارس حول العالم.
وتزداد حدة هذه التأثيرات في المجتمعات منخفضة الدخل والريفية، حيث تفتقر المدارس غالباً إلى البنية التحتية والموارد اللازمة لحماية الطلاب من ارتفاع درجات الحرارة ونقص المياه وعدم موثوقية الوصول إلى الكهرباء.
وتسلط دراسة تحليلية حديثة نشرها المنتدى الاقتصادي العالمي الضوء على كيفية مساهمة الشركات المسؤولة والمستثمرين والمؤسسات الخيرية في بناء مدارس أكثر قدرة على الصمود أمام تغير المناخ. ومن خلال الاستثمار في حلول عملية، مثل الطاقة الشمسية وأنظمة المياه النظيفة والبنية التحتية للتبريد وتحسين خدمات الصرف الصحي، يمكن للشركات المساعدة في ضمان ألا يحول تغير المناخ دون حصول الأطفال على تعليم آمن وفعّال.
لم تعد أزمة المناخ تهديداً بعيداً لا يظهر إلا من خلال ذوبان الأنهار الجليدية وارتفاع مستوى سطح البحر أو الكوارث الطبيعية الكبرى. فآثارها باتت تظهر بشكل متزايد في أماكن الحياة اليومية، بما في ذلك الصفوف الدراسية.
وبحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، تعرض تعليم ما لا يقل عن 242 مليون طالب في 85 دولة للاضطراب بسبب الظواهر المناخية المتطرفة في عام 2024. وهذا يعني أن نحو طالب واحد من كل سبعة طلاب حول العالم شهد انقطاعاً أو اضطراباً في تعليمه نتيجة أحداث مرتبطة بالمناخ.
وشكلت موجات الحر السبب الأكبر لهذه الاضطرابات، وكانت منطقة جنوب آسيا من بين المناطق الأكثر تضرراً. فقد تضطر المدارس إلى الإغلاق خلال فترات الحر الشديد، فيما يمكن للفيضانات والعواصف والجفاف وغيرها من الكوارث المرتبطة بالمناخ أن تلحق أضراراً بالبنية التحتية للمدارس وتمنع الأطفال من حضور الصفوف.
وبالنسبة إلى ملايين الأطفال، فإن الاضطرابات المناخية ليست احتمالاً مستقبلياً، بل واقع يؤثر بالفعل على قدرتهم على التعلم والانتظام في المدرسة والحصول على بيئة تعليمية آمنة وصحية.
يُعد الأطفال أكثر عرضة لتأثيرات الحرارة الشديدة، إذ تستجيب أجسامهم لدرجات الحرارة المرتفعة بشكل مختلف عن البالغين. فهم ترتفع حرارتهم بسرعة أكبر، ويتعرقون بكفاءة أقل، ويحتاجون إلى وقت أطول لتبريد أجسامهم.
وتصبح هذه المخاطر أكثر خطورة في المدارس التي تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية للتبريد. ففي الصفوف التي لا تتوفر فيها المراوح أو التهوية المناسبة أو الظل أو الوصول الموثوق إلى مياه الشرب، يمكن أن تتحول درجات الحرارة المرتفعة بسرعة إلى خطر صحي.
وقد تشمل التداعيات:
الجفاف والأمراض المرتبطة بالحرارة
زيادة التعب والشعور بعدم الراحة
انخفاض القدرة على التركيز والتعلم
تراجع المشاركة في الصفوف
ارتفاع معدلات الغياب
اضطراب العام الدراسي
ولا تقتصر آثار ارتفاع درجات الحرارة على الأيام الأكثر حرارة في السنة. ففي العديد من المناطق، أصبحت درجات الحرارة ترتفع بشكل مستمر، ما يعني أن الأطفال قد يقضون مئات الأيام الدراسية في صفوف أكثر حرارة وأقل راحة مما كانت عليه في السابق.
ويشكل ذلك تحدياً طويل الأمد لأنظمة التعليم، لا سيما في البلدان التي تعاني فيها المدارس أصلاً من محدودية الموارد.
يمكن أن تكون التحديات المرتبطة بالمناخ أكثر صعوبة بالنسبة إلى الفتيات المراهقات، خصوصاً عندما تفتقر المدارس إلى مرافق مناسبة للمياه والصرف الصحي.
فمن دون الوصول الموثوق إلى المياه النظيفة والمراحيض العاملة ومرافق النظافة المناسبة، قد تصبح إدارة الدورة الشهرية أثناء الذهاب إلى المدرسة أمراً بالغ الصعوبة. ونتيجة لذلك، قد تتغيب بعض الفتيات عن المدرسة بشكل متكرر أو يتوقفن عن ارتيادها بشكل كامل.
وفي المجتمعات التي تعاني أصلاً من الفقر والاضطرابات المرتبطة بالمناخ، يمكن أن تؤدي الانقطاعات الطويلة في التعليم إلى زيادة مخاطر التسرب المدرسي، وفي بعض الحالات، الزواج المبكر.
وهذا يعني أن قدرة المدارس على الصمود أمام تغير المناخ ترتبط أيضاً ارتباطاً وثيقاً بالمساواة بين الجنسين والحق في التعليم. وبالتالي، يمكن لتحسين البنية التحتية الأساسية للمدارس أن يحقق فوائد تتجاوز بكثير نطاق التكيف مع تغير المناخ.
لا تؤثر أزمة المناخ على جميع المدارس بالطريقة نفسها. فالمدارس الموجودة في المناطق النائية والريفية والمجتمعات منخفضة الدخل غالباً ما تمتلك موارد أقل للاستجابة للظواهر الجوية المتطرفة.
وفي العديد من المناطق الريفية والغابات في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، لا يزال الوصول إلى الكهرباء محدوداً أو غير موثوق. وقد تحصل بعض المدارس على الكهرباء لبضع ساعات فقط يومياً، بينما قد لا يكون لدى مدارس أخرى أي اتصال موثوق بشبكة الكهرباء.
كما أن توسيع البنية التحتية التقليدية للكهرباء لتشمل المجتمعات النائية قد يكون مكلفاً ومعقداً من الناحية التقنية بسبب المسافات الجغرافية وصعوبة التضاريس.
ويؤدي ذلك إلى وضع تكون فيه المجتمعات الأكثر عرضة لتغير المناخ هي نفسها التي تمتلك أقل الموارد اللازمة للتكيف معه.
وبالنسبة إلى هذه المدارس، يمكن أن توفر حلول الطاقة المتجددة اللامركزية، مثل الطاقة الشمسية، وسيلة عملية لتعزيز القدرة على الصمود، إلى جانب معالجة احتياجات تنموية أوسع.
غالباً ما يتم الحديث عن الطاقة الشمسية باعتبارها حلاً للتخفيف من آثار تغير المناخ، لأنها تساعد في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وخفض انبعاثات غازات الدفيئة.
لكن في المدارس الريفية، يمكن أن تكون فوائد الطاقة الشمسية أكثر مباشرة.
فالكهرباء الموثوقة التي توفرها الطاقة الشمسية يمكن أن تساعد المدارس على تشغيل أنظمة أساسية، بما في ذلك:
المراوح التي تساعد على تبريد الصفوف خلال فترات الحر الشديد
مضخات المياه التي توفر الوصول إلى المياه الجارية
أنظمة تنقية المياه التي تحسن الوصول إلى مياه الشرب الآمنة
مرافق الصرف الصحي التي تدعم الطلاب، ولا سيما الفتيات المراهقات
معدات وتقنيات التعلم الرقمي
الإضاءة التي تسمح للمدارس بالعمل بشكل أكثر فاعلية
وهذا يعني أن المدرسة التي تعمل بالطاقة الشمسية ليست مجرد مشروع للطاقة، بل يمكن أن تتحول إلى مشروع للصحة والتعليم والقدرة على الصمود أمام تغير المناخ في الوقت نفسه.
ومن خلال توفير الكهرباء بشكل موثوق، يمكن لأنظمة الطاقة الشمسية أن تساعد في خلق بيئة أكثر أماناً وراحة للطلاب، مع تقليل البصمة البيئية للمدرسة في الوقت ذاته.
لسنوات، ركزت المسؤولية المناخية للشركات بشكل أساسي على خفض انبعاثات غازات الدفيئة والحد من تغير المناخ في المستقبل.
ورغم أن هذه الجهود لا تزال ضرورية، فإن التأثيرات المتزايدة لتغير المناخ تعني أن التكيف يجب أن يصبح أيضاً جزءاً أساسياً من العمل المناخي.
فبعض تأثيرات تغير المناخ باتت حتمية بالفعل، ما يجعل المجتمعات بحاجة إلى الاستعداد لارتفاع درجات الحرارة، وزيادة تواتر الظواهر الجوية المتطرفة، والاضطرابات التي قد تطال الخدمات الأساسية.
وتُعد المدارس جزءاً مهماً من جهود التكيف هذه، لأنها تشكل جزءاً أساسياً من حياة الأطفال اليومية ومن قدرة المجتمعات على الصمود.
ويمكن للاستثمار في مدارس قادرة على الصمود أمام تغير المناخ أن يساعد في ضمان استمرار الأطفال في الحصول على التعليم، حتى مع ازدياد صعوبة الظروف المناخية. كما يمكن أن يحمي صحتهم ويحد من أوجه عدم المساواة بين الطلاب الذين يحصلون على بنية تحتية آمنة وأولئك الذين لا يحصلون عليها.
ستواصل الحكومات تحمل المسؤولية الأساسية عن البنية التحتية التعليمية والخدمات العامة. إلا أن الشركات والمستثمرين والمؤسسات الخيرية يمكنهم دعم جهود الحكومات من خلال مساندة مبادرات محددة ذات نتائج قابلة للقياس.
ولا يوجد نموذج واحد لمشاركة الشركات في هذا المجال.
ويمكن للشركات المساهمة من خلال:
إنشاء مؤسسات خيرية تابعة للشركات
تمويل مشاريع الطاقة المتجددة في المدارس
دعم المنظمات المحلية غير الربحية
إقامة شراكات مع الحكومات والبلديات
تمويل البنية التحتية للمياه والصرف الصحي
دعم برامج التكيف مع تغير المناخ
الاستثمار في المبادرات التي يقودها المجتمع المحلي
استخدام الفعاليات والأنشطة المؤسسية لجمع الأموال للمشاريع الاجتماعية والبيئية
وغالباً ما يكون النهج الأكثر فاعلية هو دعم المنظمات التي تمتلك فهماً عميقاً للاحتياجات المحلية ولديها علاقات راسخة مع المجتمعات.
وبدلاً من إنشاء برامج جديدة بالكامل، يمكن للشركات المساعدة في توسيع نطاق المبادرات التي أثبتت بالفعل نتائج إيجابية.
يقدم التحليل مثالاً من الهند، حيث دعم معرض آسيا لتكنولوجيا المناخ والاستثمار (Asia Climate Tech Venture Fair) مشروعاً لتزويد المدارس الحكومية بالطاقة الشمسية من خلال منظمة Samarpan، وهي منظمة محلية تعمل في مجالي الصحة والتعليم في المناطق الريفية في الهند منذ أكثر من عقد.
وتصل Samarpan حالياً إلى أكثر من 400 مدرسة حكومية وتؤثر في حياة نحو 1.5 مليون شخص.
وتوضح المدارس التي تعمل بالطاقة الشمسية والمدعومة من البرنامج كيف يمكن للاستثمار المناخي أن يحقق فوائد متعددة على مستوى المجتمع.
وبالنسبة إلى الطلاب والمعلمين، يمكن أن يعني الوصول إلى الطاقة الشمسية توفير صفوف أكثر برودة، ومياه شرب أكثر أماناً، ومياه جارية في المراحيض، ووصول أكثر انتظاماً إلى التعلم الرقمي.
كما يُقدّر أن كل تركيب من هذه الأنظمة يساهم في تعويض نحو 4 إلى 7 أطنان من ثاني أكسيد الكربون سنوياً.
وتوضح المبادرة مبدأ مهماً، وهو أن الاستثمارات المناخية لا تحتاج بالضرورة إلى التركيز حصراً على البنية التحتية واسعة النطاق أو التقنيات المعقدة. ففي بعض الأحيان، يمكن لتدخلات بسيطة نسبياً أن تحدث تحسينات كبيرة في الحياة اليومية للناس.
يقدم معرض آسيا لتكنولوجيا المناخ والاستثمار مثالاً آخر على كيفية دمج مجتمعات الأعمال للأثر الاجتماعي في أنشطتها.
وينظم المعرض كل من ADB Ventures وEmerald وEurazeo وSGInnovate وTRIREC، وهو مؤتمر غير ربحي يجمع شركات رأس المال الاستثماري التي تركز على المناخ، والمستثمرين من الشركات، ورواد الأعمال من مختلف أنحاء آسيا.
ويتمثل هدفه الرئيسي في تعزيز منظومة الاستثمار المناخي في المنطقة من خلال تشجيع الحوار وتبادل وجهات النظر وبناء العلاقات بين المستثمرين والشركات العاملة في مجال المناخ.
لكن منظمي المعرض اختاروا أيضاً دعم مبادرة مناخية محلية إلى جانب المؤتمر.
ويظهر هذا النهج كيف يمكن للفعاليات والأنشطة التجارية أن تترك أثراً يتجاوز هدفها المباشر. فبدلاً من التركيز فقط على النقاشات والتواصل وفرص الاستثمار، يمكن لهذه الفعاليات أيضاً توجيه الموارد نحو مشاريع تعود بالفائدة المباشرة على المجتمعات.
ويمثل الدعم المقدم للمدارس التي تعمل بالطاقة الشمسية جزءاً صغيراً فقط من العمل الأوسع الذي تقوم به Samarpan، لكنه يوضح كيف يمكن لمؤسسات مختلفة أن تساهم في مواجهة التحدي نفسه، كل وفقاً لقدراتها.
إن حجم التحديات التي يفرضها تغير المناخ والتعليم على الأطفال أكبر من قدرة أي منظمة واحدة على معالجتها.
فللحكومات دور أساسي في تطوير السياسات الوطنية المتعلقة بالتعليم والمناخ. ويمكن للشركات توفير التمويل والتكنولوجيا والخبرات والاستثمار، بينما تستطيع المنظمات غير الربحية تقديم المعرفة المحلية والروابط مع المجتمعات، كما يمكن للمستثمرين المساعدة في توسيع نطاق الحلول الناجحة.
وبالتالي، يمكن للشراكات بين هذه الجهات أن تؤدي إلى نتائج أكثر استدامة.
ومن المرجح أن تكون برامج تعزيز القدرة على الصمود أمام تغير المناخ الأكثر فاعلية هي تلك التي تجمع بين السياسات العامة والاستثمار الخاص والخبرات المحلية والمشاركة المجتمعية.
وتكتسب هذه الشراكات أهمية خاصة في البلدان النامية، حيث قد تكون الموارد العامة محدودة، وحيث يفرض تغير المناخ ضغوطاً إضافية على أنظمة التعليم التي تعاني أصلاً من محدودية الموارد.
تُظهر تجربة المدارس التي تعمل بالطاقة الشمسية في المناطق الريفية في الهند أن القدرة على الصمود أمام تغير المناخ لا يجب أن تكون منفصلة عن التنمية الاجتماعية.
فيمكن لاستثمار واحد في البنية التحتية المدرسية أن يسهم في تحسين صحة الأطفال، ودعم استمرار التعليم، وتعزيز المساواة بين الجنسين، وزيادة الوصول إلى الطاقة النظيفة، وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وخفض انبعاثات الكربون.
وهذا يجعل المدارس القادرة على الصمود أمام تغير المناخ نموذجاً لاستثمار يحقق عوائد متعددة.
وبالنسبة إلى الشركات، تتمثل الرسالة الأساسية في أن المسؤولية المناخية لا ينبغي أن تُعرّف فقط بما تتوقف الشركات عن فعله أو بما تخفضه أو تعوض عنه من انبعاثات، بل يجب أيضاً أن تُقاس بما تساهم في تمكينه بشكل فعلي.
ويُعد دعم المدارس القادرة على الصمود أمام تغير المناخ إحدى الطرق التي يمكن للشركات من خلالها الانتقال من مجرد الاستجابة لأزمة المناخ إلى مساعدة المجتمعات على التكيف معها.
تعمل أزمة المناخ بشكل أساسي على تغيير الظروف التي يعيش ويتعلم فيها الأطفال. ومع تزايد تواتر موجات الحر وغيرها من الاضطرابات المرتبطة بالمناخ، سيصبح ضمان قدرة المدارس على مواصلة العمل بأمان أمراً بالغ الأهمية.
لذلك، فإن الاستثمار في البنية التحتية التعليمية القادرة على الصمود أمام تغير المناخ لا يتعلق فقط بحماية المباني، بل يتعلق أيضاً بحماية صحة الأطفال وكرامتهم وفرصهم التعليمية وآفاقهم المستقبلية.
ويُظهر نموذج المدارس التي تعمل بالطاقة الشمسية أن الحلول العملية موجودة بالفعل. وما هو مطلوب هو مزيد من الاستثمار، وشراكات أقوى، واستعداد أكبر من الشركات المسؤولة للنظر إلى العمل المناخي باعتباره مسؤولية بيئية واجتماعية في آن واحد.
وفي نهاية المطاف، تمثل كل مدرسة مجهزة لمواجهة الضغوط المناخية أكثر من مجرد تحسين في البنية التحتية؛ إنها استثمار في إبقاء الأطفال بصحة جيدة، وضمان استمرارهم في التعليم، ومنحهم فرصة لبناء مستقبل أكثر قدرة على الصمود.