
لبنان – عندما تبدأ دولة مجاورة بالخروج من سنوات طويلة من الحرب والدمار، لا تبدأ عملية إعادة الإعمار من الصفر فقط، بل تفتح معها سلسلة واسعة من الفرص الاقتصادية للدول المحيطة بها.
وفي حالة سوريا، قد تمتد هذه الفرص إلى لبنان، الذي يملك موقعاً جغرافياً قريباً، وخبرة طويلة في إعادة الإعمار، وشركات هندسية ومؤسسات قادرة على تقديم الخدمات، فضلاً عن قطاع مصرفي كان تاريخياً جزءاً من حركة الاقتصاد الإقليمي.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل لبنان جاهز فعلاً للاستفادة من إعادة إعمار سوريا، أم أن أزماته الداخلية قد تجعله يفوّت فرصة اقتصادية جديدة؟
بالنسبة إلى الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الدكتور أنيس أبو دياب، يمكن للبنان أن يلعب دوراً مهماً في مرحلة إعادة إعمار سوريا، لكن عليه أولاً أن يعيد بناء قدراته الاقتصادية.
لبنان كمنصة لتمويل إعادة الإعمار؟
في حديث خاص مع Enmaeya، يرى أبو دياب أن لبنان يمكن أن يتحول إلى منصة إقليمية لدعم إعادة إعمار سوريا، لا سيما من خلال القطاع المصرفي.
لكن تحقيق ذلك، برأيه، يتطلب الإسراع في إعادة هيكلة القطاع المصرفي اللبناني، باعتبارها خطوة أساسية لإعادة تمويل الاقتصاد اللبناني نفسه، وكذلك لتمكينه من لعب دور في تمويل مشاريع إعادة الإعمار في سوريا.
فمشاريع إعادة الإعمار الكبرى تحتاج إلى قنوات مالية قادرة على استيعاب التمويل الدولي، سواء من خلال المؤسسات الدولية أو المساعدات أو الاستثمارات الخارجية.
ويشير أبو دياب إلى أن القطاع المصرفي السوري قد لا يكون قادراً، في المرحلة الحالية، على استيعاب كامل التدفقات المالية المرتبطة بإعادة الإعمار، ما قد يمنح لبنان فرصة ليكون جزءاً من هذه المنظومة، إذا نجح في إصلاح نظامه المصرفي وإعادة الثقة إلى مؤسساته المالية.
وبالتالي، فإن إعادة إعمار سوريا قد تبدأ، للمفارقة، بإعادة إعمار الاقتصاد اللبناني نفسه.
من المصارف إلى شركات الهندسة
لكن الفرصة لا تتوقف عند القطاع المالي.
لبنان يمتلك، بحسب أبو دياب، خبرة طويلة في التعامل مع عمليات إعادة الإعمار، خصوصاً من خلال الشركات الهندسية والعقارية والمقاولين الذين راكموا خبرات في إعادة بناء المدن والبنى التحتية التي تضررت خلال الحروب والأزمات.
هذه الخبرات يمكن أن تمنح الشركات اللبنانية فرصة للمشاركة في المناقصات والمشاريع التي قد تطلقها الجهات السورية في السنوات المقبلة.
كما يمكن للشركات اللبنانية التي تمتلك حضوراً في دول الخليج والولايات المتحدة وغيرها أن تستفيد من علاقاتها الدولية للدخول في شراكات ومشاريع مرتبطة بإعادة الإعمار.
وهنا لا تقتصر الفائدة على الشركات وحدها.
فالمشاركة في هذه المشاريع يمكن أن تخلق فرصاً للمهندسين والفنيين والعمال اللبنانيين، وتفتح المجال أمام استعادة جزء من الخبرات والكفاءات التي اضطرت إلى الهجرة خلال السنوات الماضية.
هل يصبح لبنان قاعدة للشركات الأجنبية؟
يرى أبو دياب أن لبنان يمكن أن يلعب أيضاً دوراً مختلفاً: أن يكون منصة للشركات الأجنبية التي ستشارك في إعادة إعمار سوريا.
فإذا استطاع لبنان تحقيق قدر أكبر من الاستقرار السياسي والأمني وتحسين بيئة الأعمال، يمكن أن يصبح مقراً أو نقطة انطلاق للشركات الأوروبية والأميركية وغيرها من الشركات الدولية العاملة في مشاريع إعادة الإعمار السورية.
وهذا قد يخلق حركة اقتصادية تتجاوز الشركات نفسها.
فالعاملون والخبراء والمهندسون الأجانب الذين قد يشاركون في مشاريع داخل سوريا يمكن أن يستخدموا لبنان كمكان للإقامة والخدمات والتعليم والصحة والضيافة، مستفيدين من قربه الجغرافي من سوريا.
بهذا المعنى، يمكن أن تتحول إعادة إعمار سوريا إلى فرصة لدعم قطاعات لبنانية مثل الفنادق، والمطاعم، والخدمات، والنقل، والصحة، والتعليم.
طرابلس ومطار القليعات... بوابتان محتملتان
الجغرافيا قد تكون إحدى أهم نقاط القوة التي يمتلكها لبنان.
ويشير أبو دياب إلى أهمية طرابلس ومرفئها باعتبارها من أقرب النقاط اللبنانية إلى سوريا، ما قد يمنحها دوراً في نقل مواد البناء والمواد الأولية والمعدات المستخدمة في مشاريع إعادة الإعمار.
كما يمكن لإعادة تشغيل مطار القليعات، بحسب رؤيته، أن تضيف بعداً جديداً إلى هذه المنظومة، من خلال تحسين حركة الأشخاص والخدمات ودعم النشاط الاقتصادي في شمال لبنان.
وهنا يمكن للبنان أن يستفيد من موقعه ليس فقط كممر للسلع، بل كمركز لوجستي وخدماتي يخدم الشركات والمستثمرين العاملين في إعادة إعمار سوريا.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع يحتاج إلى استثمارات فعلية في البنية التحتية، وتحديث المرافئ والمطارات والطرق، وتسهيل حركة البضائع والأشخاص عبر الحدود.
الحدود والقوانين: الفرصة تحتاج إلى تسهيلات
حتى لو امتلك لبنان الشركات والخبرات والموقع الجغرافي، فإن الاستفادة من إعادة إعمار سوريا ستبقى محدودة إذا لم تُعالج العوائق القانونية والإدارية.
ويرى أبو دياب أن هناك حاجة إلى إعادة النظر في بعض الاتفاقيات السابقة بين البلدين، وتحديث القوانين التي تنظم حركة التجارة والاستثمار، إلى جانب تسهيل الإجراءات المتعلقة بالرسوم الجمركية والتأشيرات وحركة الأشخاص والبضائع.
كما أن تسهيل حركة المعابر الحدودية يمكن أن يكون عاملاً أساسياً في تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين.
فكل يوم تأخير أو إجراء بيروقراطي إضافي قد يعني تكلفة أعلى على الشركات، وبالتالي فرصاً أقل للبنان في المنافسة.
اقتصادان يحتاجان إلى إعادة البناء
لكن إعادة إعمار سوريا لا تحدث في فراغ.
فلبنان نفسه يواجه تحديات كبيرة، من أزمة اقتصادية ومالية إلى تضرر البنية التحتية والحاجة إلى إعادة إعمار مناطق مختلفة.
ويرى أبو دياب أن البلدين يمكن أن يستفيدا من خبرات بعضهما البعض، خصوصاً أن كلاً منهما يواجه احتياجات مرتبطة بإعادة البناء.
وقد يكون هناك مجال للتعاون في قطاعات مثل البناء والهندسة والخدمات اللوجستية والطاقة، إضافة إلى الاستفادة من الخبرات والعمالة المتوفرة لدى الطرفين.
لكن هذا التعاون يحتاج إلى سياسات واضحة وتنظيم قانوني يضمن أن تكون حركة العمالة والاستثمارات والتجارة جزءاً من خطة اقتصادية متكاملة، لا مجرد استجابة ظرفية.
هل يملك لبنان وقتاً للانتظار؟
ربما يكون التحدي الأكبر أمام لبنان هو عامل الوقت.
فمرحلة إعادة الإعمار لن تنتظر إلى أن تنتهي كل أزمات لبنان الداخلية.
وإذا بدأت الشركات والدول والمؤسسات الدولية في بناء شراكاتها ومشاريعها، فقد يجد لبنان نفسه خارج المنافسة إذا لم يتحرك سريعاً.
من هنا، قد تكون الخطوة الأولى هي إعادة ترتيب البيت الداخلي: إعادة هيكلة القطاع المصرفي، تحسين بيئة الأعمال، تطوير البنية التحتية، وتحديث القوانين التي تعيق الاستثمار والتجارة.
كما أن إنشاء مجلس الأعمال اللبناني–السوري، بحسب أبو دياب، يمثل خطوة إيجابية يمكن البناء عليها لتعزيز التواصل بين القطاعين الخاصين في البلدين.
ويضاف إلى ذلك تعزيز اللقاءات المشتركة بين المسؤولين الاقتصاديين اللبنانيين والسوريين، بما يساهم في بناء إطار جديد للعلاقات الاقتصادية.
فرصة تحتاج إلى رؤية طويلة الأمد
إعادة إعمار سوريا يمكن أن تكون فرصة للبنان، لكن ليس من المؤكد أن تتحول تلقائياً إلى محرك للنمو.
فالمنافسة ستكون كبيرة، والدول والشركات من مختلف أنحاء العالم ستسعى إلى الحصول على حصة من مشاريع إعادة الإعمار.
ولكي ينجح لبنان، عليه أن يقدم أكثر من مجرد موقع جغرافي قريب.
يحتاج إلى قطاع مصرفي قادر على التعامل مع التمويل الدولي، وشركات قادرة على المنافسة، وبنية تحتية حديثة، وإجراءات حدودية سلسة، وبيئة أعمال مستقرة، واستراتيجية اقتصادية واضحة.
كما أن الاستفادة المستدامة من إعادة إعمار سوريا يجب ألا تقتصر على تحقيق أرباح قصيرة الأمد، بل يجب أن تساهم في بناء قطاعات لبنانية أكثر إنتاجية، وخلق وظائف مستدامة، وتعزيز قدرات الشركات المحلية.
في النهاية، قد تكون إعادة إعمار سوريا واحدة من أكبر الفرص الاقتصادية التي تطرق باب لبنان في السنوات المقبلة.
لكن الفرصة وحدها لا تكفي.
فلبنان يملك الموقع، والخبرة، والموارد البشرية، والشركات القادرة على المشاركة.
ويبقى السؤال: هل يستطيع أن يعيد بناء اقتصاده في الوقت المناسب، ليكون شريكاً في إعادة إعمار جاره، بدلاً من أن يراقب الفرصة تمر من أمامه؟
ففي مرحلة إعادة الإعمار، لا تكون المنافسة فقط على من سيبني المدن المهدمة، بل أيضاً على من سيبني لنفسه مكاناً في الاقتصاد الإقليمي الجديد الذي سيولد معها.