
لبنان - في بلد اعتاد أن تكون أزمة الطاقة فيه جزءاً من الحياة اليومية، قد يبدو أي مصدر جديد للنفط فرصة لا يمكن تفويتها.
وبالنسبة إلى لبنان، السؤال لا يجب أن يتوقف عند تأمين النفط أو خفض كلفة استيراد المشتقات النفطية.
السؤال الأهم هو: كيف يمكن للبنان أن يستفيد من التعاون الإقليمي في قطاع الطاقة اليوم، من دون أن يؤجل انتقاله إلى نظام طاقة أكثر نظافة واستدامة غداً؟ وهذا السؤال يعود إلى الواجهة مع الحديث عن إمكانية إعادة تشغيل خط النفط العراقي–السوري، المعروف بخط كركوك–بانياس، والذي يمكن أن يعيد لبنان إلى خريطة مشاريع الطاقة الإقليمية، خصوصاً من خلال منشآت طرابلس والبنية التحتية النفطية في الشمال.
وفي وقت يواجه فيه لبنان أزمة اقتصادية حادة، وفاتورة طاقة مرتفعة، وبنية تحتية متضررة، قد يحمل المشروع فرصاً اقتصادية مهمة. لكن إذا أُدير ضمن رؤية قصيرة الأمد، فقد يتحول إلى مجرد مشروع آخر يعزز الاعتماد على الوقود الأحفوري. أما إذا أُدرج ضمن استراتيجية انتقالية أوسع، فقد يكون فرصة لتمويل مستقبل مختلف.
من أمن الطاقة إلى الاستدامة
في حديث خاص مع Enmaeya، يرى الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الدكتور أنيس أبو دياب أن إعادة تشغيل خط كركوك–بانياس يمكن أن تعود بفوائد متعددة على لبنان.
ويشير أبو دياب إلى أن خط النفط كان تاريخياً مرتبطاً أيضاً بطرابلس، حيث كانت هناك مسارات لنقل النفط من العراق، أحدها باتجاه بانياس، فيما كان المسار الآخر يتجه نحو منشآت التكرير في لبنان.
وبحسب أبو دياب، كانت للخط المرتبط بمنشآت التكرير اللبنانية قدرة كبيرة تاريخياً، تصل إلى نحو 450 ألف برميل يومياً.
وإعادة التفكير في هذه البنية التحتية، برأيه، يمكن أن تمنح لبنان فرصة لتقليل كلفة استيراد المشتقات النفطية، وفي الوقت نفسه تحقيق إيرادات للدولة من الرسوم المرتبطة باستخدام منشآته أو مرور النفط عبر أراضيه.
لكن هذه الفوائد الاقتصادية، من منظور الاستدامة، يجب ألا تكون الهدف النهائي.
فأي وفورات ناتجة عن خفض كلفة الطاقة يمكن أن تتحول إلى فرصة للاستثمار في الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وتحديث شبكة الكهرباء، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة.
هل يموّل النفط مستقبل لبنان الأخضر؟
يستورد لبنان كميات كبيرة من النفط ومشتقاته سنوياً، ما يجعل فاتورة الطاقة عبئاً كبيراً على اقتصاده.
ويقدّر أبو دياب أن النفط ومشتقاته يشكلان نحو 25 إلى 28 في المئة من إجمالي واردات لبنان، فيما تصل قيمة الاستيراد السنوية إلى نحو 5 إلى 6 مليارات دولار.
وأي خفض في هذه الفاتورة يمكن أن يخفف الضغط على الاقتصاد.
ماذا سيفعل لبنان بهذه الوفورات؟
هنا يمكن أن تتحول إعادة تشغيل خط كركوك–بانياس إلى فرصة لتمويل مرحلة انتقالية في قطاع الطاقة.
فبدلاً من استخدام الوفورات فقط لزيادة استهلاك الوقود الأحفوري، يمكن توجيه جزء منها إلى:
• تطوير مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
• تحديث شبكة الكهرباء وتقليل الهدر.
• تحسين كفاءة الطاقة في المباني والمصانع.
• تطوير أنظمة تخزين الكهرباء.
• دعم التحول إلى وسائل نقل أكثر كفاءة وأقل انبعاثاً.
• تمويل الابتكار والتكنولوجيا الخضراء.
• دعم المجتمعات المحلية المتأثرة بمشاريع الطاقة.
وبهذه الطريقة، لا تصبح مشاريع النفط بديلاً عن الطاقة المتجددة، بل مرحلة انتقالية تساعد لبنان على تمويل التحول نحوها.
الطاقة الشمسية وحدها لا تكفي
يشهد لبنان توسعاً كبيراً في استخدام الطاقة الشمسية، لكن هذا التوسع لا يزال بحاجة إلى تنظيم أكبر وإلى دمج أفضل ضمن شبكة الكهرباء الوطنية.
ويرى أبو دياب أن السياسات العامة تلعب دوراً أساسياً في تنظيم هذا القطاع، خصوصاً مع ارتفاع نسبة الاعتماد على الطاقة الشمسية في المنازل والمؤسسات.
لكن الاستدامة لا تعني فقط تركيب المزيد من الألواح الشمسية. بل تعني بناء نظام طاقة متكامل يجمع بين الطاقة المتجددة، وشبكات الكهرباء الحديثة، والتخزين، وكفاءة الطاقة، وربط لبنان بالشبكات الإقليمية عندما يكون ذلك مجدياً اقتصادياً وبيئياً.
وهنا يمكن للبنان أن يستفيد من التعاون الإقليمي ليس فقط للحصول على النفط أو الكهرباء، بل لتبادل الخبرات والتكنولوجيا وتطوير مشاريع مشتركة للطاقة النظيفة.
من خط أنابيب إلى شبكة طاقة إقليمية
يرى أبو دياب أن لبنان يمكن أن يكون جزءاً من منظومة طاقة إقليمية أوسع، من خلال التعاون في استجرار الكهرباء والغاز وتطوير البنية التحتية للطاقة.
وقد يشمل ذلك مستقبلاً مشاريع تربط لبنان بسوريا والأردن ومصر وتركيا، إلى جانب تطوير موارده البحرية.
هذا النوع من التكامل يمكن أن يساعد على خفض كلفة الطاقة وتحسين القدرة التنافسية للاقتصاد اللبناني.
لكن الأهم أن التكامل الإقليمي يمكن أن يتطور من نموذج يعتمد على الوقود الأحفوري فقط إلى نموذج أكثر تنوعاً، يجمع بين الطاقة التقليدية والطاقة المتجددة.
وفي هذا النموذج، يمكن أن يصبح لبنان مركزاً للخدمات اللوجستية والطاقة، مستفيداً من موقعه الجغرافي، من دون أن يربط مستقبله الاقتصادي بمصدر طاقة واحد.
البنية التحتية فرصة... إذا كانت خضراء
إعادة إحياء منشآت التخزين والتكرير والنقل يمكن أن تخلق فرصاً اقتصادية جديدة، لكنها في الوقت نفسه تفرض مسؤولية بيئية كبيرة.
أي مشروع لنقل النفط أو تخزينه أو تكريره يجب أن يخضع لمعايير بيئية صارمة، تشمل مراقبة الانبعاثات، منع تسرب النفط، حماية المياه والتربة، وإدارة النفايات الناتجة عن عمليات التكرير.
كما يجب أن تتضمن المشاريع خططاً واضحة للاستجابة للطوارئ، ومراقبة مستقلة للأثر البيئي، وإشراك المجتمعات المحلية في اتخاذ القرار.
فالتنمية الاقتصادية لا يمكن أن تكون مستدامة إذا جاءت على حساب الصحة العامة أو البيئة.
فرص عمل خضراء واقتصاد أكثر تنوعاً
قد يفتح التكامل الإقليمي في الطاقة الباب أمام فرص عمل في النقل والتخزين والخدمات اللوجستية والتكرير.
لكن يمكن للبنان أن يذهب أبعد من ذلك.
فإذا رافق هذه المشاريع استثمار في الطاقة المتجددة، يمكن أن تنشأ وظائف جديدة في قطاعات مثل تركيب وصيانة أنظمة الطاقة الشمسية، وكفاءة الطاقة، وإدارة الشبكات الذكية، وتكنولوجيا التخزين، والهندسة البيئية.
وهكذا يمكن لقطاع الطاقة أن يتحول من مصدر للأزمة إلى محرك لخلق وظائف خضراء ودعم اقتصاد أكثر تنوعاً.
السياسة جزء من معادلة الاستدامة
بالنسبة إلى أبو دياب، لا يمكن فصل مستقبل مشاريع الطاقة عن التطورات السياسية في المنطقة.
ويشير إلى أن العلاقات الإقليمية والتوترات السياسية أثرت خلال السنوات الماضية على الاستثمارات ومشاريع الطاقة في لبنان.
وهذا يعني أن تحقيق أمن الطاقة لا يحتاج فقط إلى خطوط أنابيب أو محطات كهرباء، بل إلى سياسات مستقرة، وتعاون إقليمي، وإدارة شفافة، واستراتيجية وطنية واضحة.
فالاستدامة، في النهاية، ليست مجرد اختيار مصدر طاقة أقل تلويثاً.
إنها أيضاً القدرة على بناء سياسات طويلة الأمد لا تتغير مع كل أزمة، وعلى ضمان أن الاستثمارات الحالية تخدم احتياجات الأجيال المقبلة.