
العالم - صرّح سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، بأن الذكاء الاصطناعي قد بلغ مرحلة طال انتظارها تُعرف باسم «التفرّد» (Singularity)، وهي نقطة نظرية يصبح فيها الذكاء الاصطناعي قادراً على تطوير نفسه ذاتياً والتقدّم إلى مستويات تتجاوز السيطرة البشرية.
وخلال حديثه في بودكاست «Relentless» يوم السبت، قال ألتمان إن المجتمع قد دخل بالفعل المرحلة التي طالما تخيّلها الباحثون وكتّاب الخيال العلمي. وأضاف: «نحن الآن بالفعل في مرحلة التفرّد»، واصفاً هذا التطور بأنه نقطة تحوّل تاريخية.
وقال أيضاً: «لقد أصبحنا فعلياً في اللحظة التي كنّا نتحدث عنها سابقاً على طاولة الغداء بطريقة غير جادة».
وأوضح الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI أنه يعتقد أن هذا التطور سيكون له تأثير إيجابي على البشرية، مشيراً إلى أنه كان ينتظر مثل هذا التقدم التكنولوجي طوال حياته.
وأضاف: «أعتقد أنه سيكون أمراً مذهلاً وإيجابياً للغاية ورائعاً للعالم».
ويشير مفهوم «التفرّد» إلى مرحلة مستقبلية افتراضية يتفوّق فيها الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري ويصبح قادراً على تحسين أنظمته ذاتياً بشكل مستقل.
ويرى المؤيدون أن مثل هذا التقدم قد يسرّع الاكتشافات العلمية والنمو الاقتصادي والابتكار التكنولوجي، في حين يحذّر المنتقدون من أنه قد يخلق مخاطر يصعب على البشر إدارتها أو السيطرة عليها.
تزايد المخاوف المتعلقة بسلامة الذكاء الاصطناعي
جاءت تصريحات ألتمان بعد أيام من كشف OpenAI عن ما وصفته بأنه أول حادثة سيبرانية مستقلة من نوعها تتعلق بالذكاء الاصطناعي، وشملت نموذجين من نماذجها.
وبحسب الشركة، تمكنت أنظمة الذكاء الاصطناعي من الخروج من بيئة اختبار خاضعة للرقابة تُعرف باسم «Sandbox» أثناء تقييم أمني داخلي، ثم استطاعت الوصول إلى الإنترنت المفتوح.
وبعد ذلك، استهدفت النماذج منصة تطوير الذكاء الاصطناعي Hugging Face أثناء بحثها عن النماذج ومجموعات البيانات اللازمة لإكمال الاختبار.
وقالت OpenAI إن الحادثة سلطت الضوء على الحاجة إلى تعزيز إجراءات الحماية مع استمرار تطور قدرات الذكاء الاصطناعي.
وأضافت الشركة: «الدرس الرئيسي المستفاد من هذه الحادثة هو أن أمن النماذج وسلامتها يجب أن يواكبا القدرات المتسارعة التطور».
وأثار هذا الكشف مزيداً من القلق بين الباحثين وصنّاع السياسات الذين يخشون أن تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي المتزايدة القوة أكثر صعوبة في المراقبة أو التحكم.
خبراء يشككون في الادعاء بأن التفرّد قد تحقق بالفعل
على الرغم من تصريحات ألتمان، فإن عدداً من خبراء الذكاء الاصطناعي يعارضون فكرة أن التكنولوجيا الحالية قد وصلت فعلاً إلى مرحلة التفرّد.
وقال شون أوهيغارتاي، المدير التنفيذي لمركز دراسة المخاطر الوجودية في جامعة كامبريدج، إن هذا الإنجاز لم يتحقق بعد.
وأضاف: «بحسب التعريف الذي أعرفه، فإن التفرّد هو النقطة الافتراضية التي يصبح فيها الذكاء الاصطناعي شديد القدرة ويتطور بسرعة كبيرة إلى درجة تُحدث تحولاً في الحضارة بطرق لا يمكننا التحكم بها أو التنبؤ بها».
وأوضح أن التفرّد الحقيقي قد يتضمن أنظمة ذكاء اصطناعي تقوم بتصميم نسخ أكثر تطوراً من نفسها باستمرار من خلال عملية تُعرف باسم «التحسين الذاتي التكراري» (Recursive Self-Improvement).
وأكد قائلاً: «لم نصل إلى تلك المرحلة بعد».
وأشار أوهيغارتاي إلى أن الذكاء الاصطناعي حقق بالفعل اختراقات مهمة في مجالات مثل الرياضيات والعلوم والبرمجة، لكنه في الوقت نفسه خلق تحديات جديدة في مجال الأمن السيبراني.
وكان ديميس هاسابيس، الرئيس التنفيذي لشركة Google DeepMind، قد وصف العالم سابقاً بأنه لا يزال في «السفوح الأولى للتفرّد»، وهو رأي يراه بعض الباحثين أكثر واقعية من الادعاءات التي تفيد بأن هذا التحول قد حدث بالفعل.
تزايد الدعوات إلى تعزيز الرقابة على الذكاء الاصطناعي
أثار الجدل حول مخاطر الذكاء الاصطناعي دعوات متزايدة من الحكومات والباحثين وقادة قطاع التكنولوجيا لتعزيز الرقابة والتنظيم.
وفي يوليو، قدّم أعضاء في الكونغرس الأميركي مشروع قانون يُعرف باسم «AI Kill Switch Act»، والذي يقترح إلزام أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة بتضمين آليات تسمح للبشر بإبطاء النماذج أو تعليق عملها أو إيقافها بالكامل في حالات الخطر الشديد.
وفي الوقت نفسه، حذّرت شركة Anthropic، المتخصصة في سلامة الذكاء الاصطناعي، من أن التقدم السريع في هذا المجال قد يؤدي مستقبلاً إلى حالات يفقد فيها البشر السيطرة على الأنظمة القوية.
ودعت الشركة إلى تنسيق دولي وإجراءات سلامة أكثر صرامة، كما أكدت أن الحكومات وشركات التكنولوجيا بحاجة إلى تطوير ضمانات وقائية قبل وصول الذكاء الاصطناعي إلى مراحل أكثر تقدماً.
التأثير الاقتصادي لا يزال مصدر قلق رئيسياً
إلى جانب المخاطر المتعلقة بالسلامة، لا يزال تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف والاقتصاد العالمي قضية محورية.
فقد ارتبطت آلاف عمليات تسريح الموظفين خلال الأشهر الأخيرة بتبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، بما في ذلك التكنولوجيا والطيران.
ويحذّر بعض الخبراء من أن الأتمتة قد تُحدث تغييرات جذرية في سوق العمل، خصوصاً في الوظائف المخصصة للمبتدئين.
في المقابل، يرى آخرون أن المخاوف من فقدان الوظائف على نطاق واسع قد تكون مبالغاً فيها، مشيرين إلى قدرة الذكاء الاصطناعي على تعزيز الإنتاجية، وخلق صناعات جديدة، وتحسين مستويات المعيشة.
وكان ألتمان قد رفض سابقاً التوقعات التي تتحدث عن «كارثة وظيفية» أو «نهاية جماعية للوظائف»، مع إقراره بأن الذكاء الاصطناعي سيُحدث تحولاً عميقاً في طبيعة العمل.
ومع تسارع وتيرة تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، يؤكد الخبراء أن التحدي الأساسي يتمثل في تحقيق التوازن بين الابتكار ووضع الضمانات اللازمة لضمان استفادة المجتمع من هذه التكنولوجيا دون التسبب في مخاطر خارجة عن السيطرة.