
لبنان - تُعدّ الرضاعة الطبيعية من أكثر الوسائل فعالية في دعم صحة الرضيع ونموه. إلا أن معدلات الرضاعة الطبيعية لا تتوقف على قرار الأم وحدها، إذ يمكن للدعم الذي تتلقاه من المستشفيات والعاملين في القطاع الصحي وأصحاب العمل وأفراد الأسرة أن يؤثر بشكل كبير في بدء الرضاعة الطبيعية واستمرارها. ومن هنا، تطرح مبادرة المستشفيات الصديقة للطفل سؤالاً أوسع: هل تمنح الأنظمة الصحية الأمهات فرصة عادلة للرضاعة الطبيعية؟
في لبنان، أظهر أحدث مسح وطني أن 22.7% من الرضع دون سنّ الستة أشهر يتلقون رضاعة طبيعية حصرية، أي ما يقارب رضيعاً واحداً من كل أربعة. وتبقى هذه النسبة أدنى من المعدل العالمي البالغ 48%.
تعني الرضاعة الطبيعية الحصرية تغذية الرضيع بحليب الأم فقط، من دون تقديم أي أطعمة أو سوائل أخرى، بما فيها الماء، باستثناء الأدوية أو المكمّلات الموصوفة طبياً. وتختلف هذه النسبة عن نسبة الأمهات اللواتي يرضعن أطفالهن طبيعياً بأي شكل من الأشكال. وتوصي منظمة الصحة العالمية واليونيسف ببدء الرضاعة الطبيعية خلال الساعة الأولى بعد الولادة، والاستمرار بها حصرياً خلال الأشهر الستة الأولى، ثم مواصلتها إلى جانب الأغذية المناسبة حتى يبلغ الطفل عامين أو أكثر.
يوفّر حليب الأم تغذية تتكيّف مع احتياجات الرضيع، كما يحتوي على عناصر وقائية تساعد على حمايته من الأمراض. وتقلّل الرضاعة الطبيعية الحصرية من خطر الإصابة بالتهابات الجهاز الهضمي، بينما يمكن أن يسهم البدء المبكر بها في الحدّ من الالتهابات ووفيات حديثي الولادة. كذلك، تدعم النمو والتطور الصحيين ويمكن أن تخفّض تكاليف الرعاية الصحية. وتستفيد الأمهات أيضاً، إذ ترتبط الرضاعة الطبيعية بانخفاض خطر الإصابة بسرطاني الثدي والمبيض على المدى الطويل.
مع ذلك، لا ينبغي استخدام هذه الفوائد لإلقاء اللوم على النساء اللواتي لا يستطعن الرضاعة الطبيعية أو يخترن عدم القيام بها. فقد تحتاج بعض الأمهات أو الأطفال إلى بدائل لأسباب طبية أو شخصية. وتقع على عاتق النظام الصحي مسؤولية توفير معلومات دقيقة ورعاية تحترم خيارات الأمهات ودعماً آمناً لتغذية الرضع في جميع الحالات.
ما هي مبادرة المستشفيات الصديقة للطفل؟
أطلقت منظمة الصحة العالمية واليونيسف المبادرة عالمياً عام 1991، بهدف استبدال الممارسات المتّبعة في المستشفيات، والتي قد تقوّض الرضاعة الطبيعية من دون قصد، بمعايير رعاية واضحة ومتسقة. ورغم أن الجهود المرتبطة بالمبادرة في لبنان سبقت عام 2018، فإنها أُدرجت في السياسة الوطنية لتغذية الرضع وصغار الأطفال التي وُضعت في آذار 2018. وتقود وزارة الصحة العامة هذه المبادرة بدعم من اليونيسف.
لا يصبح المستشفى «صديقاً للطفل» بمجرد تشجيع الأمهات على الرضاعة الطبيعية، بل يجب أن يخضع لتقييم خارجي وأن يثبت التزامه بالخطوات العشر للرضاعة الطبيعية الناجحة. وتشمل هذه الخطوات:
اعتماد سياسة مكتوبة لتغذية الرضع وتدريب العاملين عليها.
توعية الأسر بشأن الرضاعة الطبيعية قبل الولادة.
دعم التلامس المباشر بين بشرة الأم وطفلها فور الولادة، وتشجيع البدء المبكر بالرضاعة الطبيعية.
مساعدة الأمهات على التعامل مع الصعوبات الشائعة المرتبطة بالرضاعة الطبيعية.
تجنّب إعطاء الحليب الاصطناعي أو أي سوائل أخرى ما لم تكن هناك ضرورة طبية.
إبقاء الأم وطفلها معاً.
دعم إرضاع الطفل استجابةً لإشارات الجوع التي يظهرها.
شرح الآثار المحتملة لاستخدام زجاجات الرضاعة واللهايات.
ربط الأسر بخدمات الدعم المستمر بعد مغادرة المستشفى.
كذلك، يجب على المستشفيات تجنّب إعطاء الحليب الاصطناعي أو السوائل الأخرى ما لم تكن ضرورية طبياً، وشرح البدائل الآمنة عندما تتعذّر الرضاعة الطبيعية، وربط الأمهات بخدمات الدعم المستمر بعد مغادرتهن المستشفى. وفي لبنان، يتعيّن على المؤسسات الصحية أيضاً الالتزام بالقانون رقم 47/2008 الذي ينظّم تسويق منتجات تغذية الرضع وصغار الأطفال.
كيف يمكن للمبادرة أن تزيل العوائق؟
تبدأ العديد من الصعوبات المرتبطة بالرضاعة الطبيعية قبل أن تغادر الأم المستشفى. فقد يؤدي فصل الطفل عن أمه، أو تأخير التلامس المباشر بينهما، أو تلقي نصائح متناقضة من العاملين الصحيين، أو محدودية الدعم المتعلق بوضعية الرضاعة وإدرار الحليب، أو إعطاء الحليب الاصطناعي من دون ضرورة، إلى جعل الرضاعة الطبيعية أكثر صعوبة منذ البداية.
وتشير الأبحاث اللبنانية أيضاً إلى وجود تحديات تتجاوز المستشفى، من بينها إرهاق الأم، وظروف العمل، ومحدودية الدعم الأسري، والمفاهيم الخاطئة حول حليب الأم. ووجدت دراسة شملت نساء حوامل في مختلف أنحاء لبنان أن 93.7% منهن لم يسمعن من قبل بالمستشفيات الصديقة للطفل، فيما أفادت نحو نصف المشاركات بأنهن لم يتلقين إرشادات كافية حول بدء الرضاعة الطبيعية أو الاستمرار بها. ومع ذلك، قالت أكثر من 90% منهن إنهن قد يفكرن في الولادة في مستشفى صديق للطفل بعد التعرّف إلى ممارساته.
وتشير الأدلة إلى أن تغيير الممارسات داخل المستشفيات يمكن أن يُحدث فرقاً. ففي أحد المستشفيات الخاصة في بيروت، ارتبط تطبيق إجراءات صديقة للطفل، شملت تدريب العاملين، وإبقاء الأم وطفلها في الغرفة نفسها، وتوفير الدعم المتخصص في الرضاعة الطبيعية، ومراجعة السياسات المتعلقة بالحليب الاصطناعي، بارتفاع نسبة الرضاعة الطبيعية الحصرية عند مغادرة المستشفى من 2.4% إلى 49% خلال فترة الدراسة.
كم عدد المستشفيات الصديقة للطفل في لبنان؟
حتى شباط 2026، كانت وزارة الصحة العامة واليونيسف قد منحتا هذا التصنيف لثلاثة مستشفيات، هي: مستشفى مرجعيون الحكومي، ومستشفى عين وزين مديكال فيليدج، ومستشفى الرسول الأعظم. وكانت تحديثات رسمية سابقة قد أشارت إلى وجود 16 مستشفى تطبّق المبادرة، إلا أن تطبيقها لا يعني بالضرورة استكمال إجراءات التقييم والحصول على الاعتماد الرسمي.
ولا تزال ثلاثة مستشفيات معتمدة تمثّل نسبة محدودة من مؤسسات رعاية الأمومة في لبنان، ما يجعل توسيع نطاق المبادرة وتجديد الاعتماد بصورة دورية أمرين أساسيين.
لا تستطيع مبادرة المستشفيات الصديقة للطفل إزالة جميع العوائق التي تواجه الرضاعة الطبيعية. فإجازة الأمومة، وظروف العمل، والمواقف الاجتماعية، وإمكانية الوصول إلى خدمات الدعم المجتمعي، كلها عوامل تؤثر في قدرة الأمهات على الاستمرار في الرضاعة الطبيعية.
ومع ذلك، تشكّل المستشفيات نقطة البداية في رحلة تغذية الرضيع بالنسبة إلى كثير من الأسر. ومن شأن توسيع معايير المستشفيات الصديقة للطفل في مختلف أنحاء لبنان أن يضمن حصول عدد أكبر من الأمهات، منذ الأيام الأولى، على دعم متسق ومتخصص يحترم احتياجاتهن وخياراتهن. وبذلك، تُمنح كل أسرة فرصة عادلة للرضاعة الطبيعية، مع الحفاظ على حقها في اتخاذ قرار واعٍ بعيداً عن اللوم أو الأحكام المسبقة


