
تُعدّ إصابات حوادث السير السبب الأول للوفاة عالمياً بين الأطفال والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و29 عاماً، وفقاً لـمنظمة الصحة العالمية. وفي إقليم شرق المتوسط، كان الأشخاص دون سن الخامسة والأربعين يشكّلون 69% من الوفيات المسجّلة على الطرق عام 2021، فيما مثّل المشاة وراكبو الدراجات الهوائية والنارية نحو نصف الوفيات المسجّلة.
ويعكس لبنان هذا النمط الإقليمي، لكنه يواجه، في بعض الجوانب، عبئاً أشد خطورة على شبابه.
تشير بيانات قوى الأمن الداخلي اللبنانية إلى أن أكثر من نصف ضحايا حوادث السير في لبنان تتراوح أعمارهم بين 15 و44 عاماً. ومن بين الناجين من إصابات السير ضمن هذه الفئة العمرية، يعيش نحو واحد من كل خمسة مع إعاقة دائمة. وفي عام 2019، احتلّت إصابات حوادث السير المرتبة الثالثة بين أكثر أسباب الوفاة شيوعاً لدى من تبلغ أعمارهم 20 عاماً أو أقل في لبنان.
ووجد مشروع لتصوير البيانات أعدّته الجامعة الأميركية في بيروت عام 2025، بالاستناد إلى بيانات قوى الأمن الداخلي، أن 17.93% من حوادث السير المسجّلة عام 2024 كانت مميتة، أي ما يعادل نحو 18 حادثاً مميتاً من كل 100 حادث مسجّل. كما تُظهر البيانات أن الفئة العمرية بين 25 و49 عاماً سجّلت، عبر السنوات، العدد الأكبر من الحوادث، بإجمالي قارب 12 ألف حادث.
وتكفي الأدلة المتاحة لإظهار أن إصابات السير تحرم الشباب من التعليم والعمل والمشاركة في الحياة المجتمعية، فيما تتحمل أسرهم والنظام الصحي المرهق أصلاً تبعاتها طويلة الأمد.
يزيد تجاوز السرعة، والانشغال أثناء القيادة، والقيادة تحت تأثير الكحول أو المخدرات، وعدم استخدام الخوذ أو أحزمة الأمان، من احتمال وقوع إصابات السير ومن شدّتها. لذلك، تبقى حملات التوعية وتطبيق القوانين بصورة منتظمة أمرين ضروريين.
لكن نهج «النظام الآمن» الذي تعتمده منظمة الصحة العالمية يؤكد أن السلامة على الطرق لا يمكن أن تعتمد على سلوك الأفراد وحده. إذ ينبغي لأنظمة النقل أن تأخذ احتمال وقوع الخطأ البشري في الاعتبار، وأن تُصمَّم بطريقة تمنع تحوّل هذه الأخطاء إلى وفيات أو إصابات خطيرة. ويتطلب ذلك طرقاً وسرعات ومركبات أكثر أماناً، إلى جانب حماية أقوى لجميع مستخدمي الطريق.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في لبنان، حيث أثّرت سنوات من ضعف الصيانة وتأخّر الاستثمارات بشكل كبير في شبكة الطرق. ووفقاً للبنك الدولي، صُنّف نحو ثلث شبكة الطرق الرئيسية في لبنان، والبالغ طولها 6,500 كيلومتر، ضمن حالة متوسطة إلى سيئة، وبحاجة ملحّة إلى الإصلاح.
يتنقّل الشباب في لبنان ضمن منظومة تتّسم بتردّي حالة الطرق، وضعف الإنارة، ومحدودية حماية المشاة، وعدم انتظام تطبيق القوانين. وقد حدّد تحليل أصدره المرصد اللبناني لحوادث السير عام 2022 بيروت الكبرى والنبطية وزحلة بوصفها من أبرز المناطق التي تتركّز فيها الحوادث. كما رُصد تركز للحوادث على طول الساحل، حيث تشهد الطرق الرئيسية كثافة مرتفعة في الحركة الحضرية والمرورية.
ووجد التحليل نفسه أن حوادث التصادم بين المركبات والدراجات النارية شكّلت 34.9% من الحالات المسجّلة، فيما بلغت نسبة حوادث صدم المشاة 10.7%. وربط التحليل ارتفاع تركّز الحوادث خلال فصل الشتاء بالعوامل الجوية، وتدهور حالة الطرق، وازدياد حركة السير حول المدارس والجامعات.
وتُظهر هذه النتائج أن السلامة على الطرق لا يمكن فصلها عن الاستثمار في البنية التحتية والتخطيط الحضري.
يشكّل ضعف النقل العام جزءاً آخر من المشكلة. فقد وصف البنك الدولي النقل العام في بيروت الكبرى بأنه غير موثوق وغير آمن وصعب الوصول إليه وشديد التشتت. كما أشار إلى أن ضعف الاستثمار دفع كثيرين إلى الاعتماد على المركبات الخاصة، رغم ارتفاع كلفة امتلاكها وتشغيلها. ويمكن لضعف شبكات النقل أن يحدّ من الوصول إلى فرص العمل والخدمات الأساسية، لا سيما لدى ذوي الدخل المحدود والأشخاص المقيمين خارج وسط بيروت.
وقد يعني ذلك، بالنسبة إلى الشباب، الاعتماد على الدراجات النارية أو وسائل النقل غير المنظّمة أو السير في مسارات غير آمنة للوصول إلى المدارس والجامعات وأماكن العمل. قد تكون الدراجة النارية أقل كلفة من السيارة، لكن راكبيها لا يحظون إلا بقدر محدود جداً من الحماية الجسدية، خصوصاً عند القيادة على طرق متدهورة أو الاصطدام بمركبات أكبر حجماً.
ويواجه المشاة مخاطر مشابهة. فقد تكون الأرصفة غائبة أو متقطعة أو تعيقها الحواجز، في حين تبقى معابر المشاة الآمنة وتدابير تخفيف سرعة المركبات محدودة. ومن بين الأطفال الذين يفقدون حياتهم في حوادث السير في لبنان، تقع نحو حالتين من كل ثلاث وفيات أثناء سيرهم على الأقدام. كما يواجه الأطفال اللاجئون احتمالاً مضاعفاً للوفاة جراء إصابات السير مقارنة بالأطفال من المجتمعات المحلية، ويعود ذلك جزئياً إلى أن الفقر والنزوح قد يضطرانهم إلى العيش أو التنقّل في بيئات خطرة بمحاذاة الطرق.
وبذلك، تصبح السلامة على الطرق قضية عدالة اجتماعية أيضاً. فالأشخاص الذين يمتلكون موارد مالية أكبر يستطيعون أحياناً الحد من تعرضهم للخطر من خلال شراء مركبات أكثر أماناً، أو استخدام وسائل نقل خاصة، أو اختيار مكان سكنهم. أما الآخرون، فلا يملكون سوى السير على طرق غير آمنة، أو استخدام الدراجات النارية، أو الاعتماد على وسائل نقل غير منتظمة.
كذلك، لا تتوزع تبعات الحوادث بالتساوي. فقد تؤدي الإصابة الخطيرة إلى تعطيل المسار التعليمي للشاب، أو إخراجه من سوق العمل، أو فرض حاجته إلى تأهيل طويل الأمد، فضلاً عن اضطرار أفراد أسرته إلى تولّي مهام الرعاية من دون مقابل. وقد تجد الأسر التي تعاني أصلاً من ضائقة مالية صعوبة في تغطية تكاليف العلاج الطارئ، وإعادة التأهيل، والأجهزة المساعدة، والدخل المفقود.
ينبغي للاستجابة المتمحورة حول الشباب أن تحميهم طوال تنقّلاتهم اليومية، وألا تكتفي بمطالبتهم بتوخّي مزيد من الحذر داخل منظومة نقل غير آمنة.
في لبنان، يمكن أن تبدأ هذه الاستجابة بإشراك الشباب في تحديد الطرق والمسارات الخطرة المحيطة بالمدارس والجامعات وأماكن العمل ومحطات النقل العام. ويمكن الاستفادة من ملاحظاتهم لتنفيذ تحسينات عملية، مثل إنشاء أرصفة متواصلة، وتوفير معابر واضحة، وتحسين الإنارة، وجعل التقاطعات أكثر أماناً. كذلك، تبرز الحاجة إلى تشديد تطبيق قوانين استخدام الخوذ والحصول على رخص القيادة، وتوفير نقل عام ميسور الكلفة، وتحسين بيانات حوادث السير وتصنيفها بحسب الفئات العمرية.
وتقدّم تجارب بلدان تواجه ظروفاً مشابهة نماذج مفيدة. ففي دار السلام في تنزانيا، جمع برنامج تقييم سلامة الطرق المحيطة بالمدارس وتحسينها بين تقييم مناطق المدارس وتنفيذ تدابير شملت إنشاء الأرصفة والمعابر والمطبات لتخفيف السرعة والحواجز الواقية للمشاة. وأظهر تقييم شمل 18 مدرسة وأكثر من 13 ألف طفل انخفاضاً بنسبة 26% في إصابات حوادث السير في المدارس المشاركة. وتبيّن هذه التجربة أن التوعية تصبح أكثر فاعلية عندما ترافقها تغييرات ملموسة في البيئة المحيطة.
أما بالنسبة إلى لبنان، فالدرس الأساسي هو أن مشاركة الشباب يجب أن تقود إلى تغييرات واضحة على أرض الواقع: شوارع أكثر أماناً، وتطبيق أكثر فاعلية للقوانين، وخيارات نقل أفضل. وينبغي ألا يُنظر إلى الشباب بوصفهم فئة شديدة التعرّض للمخاطر فحسب، بل كشركاء يمكن لتجاربهم اليومية أن تساعد في تحديد جوانب الخلل في منظومة النقل.