
لبنان – تخيل أن صحفيًا نشر تحقيقًا أثار غضب مسؤول أو شخصية عامة. في السابق، كان من الممكن أن تتحول القضية إلى ملاحقة جزائية، وقد يصل الأمر إلى التوقيف. أما مشروع قانون الإعلام الجديد فيحاول تغيير هذه المعادلة، الصحفي لا يُعامل كمجرم بسبب ما نشره، والمتضرر يستطيع اللجوء إلى القضاء المدني والمطالبة بالتعويض.
وفي مقابلة خاصة مع "إنمائية"، قالت مؤسسة مهارات إن هذه واحدة من أبرز نقاط التحول التي تراها في المشروع، معتبرةً أنه يشكل إصلاحًا حقيقيًا مقارنة بالقوانين القديمة التي كانت تنظم الإعلام في لبنان.
الفكرة الأساسية هي الانتقال من "العقاب" إلى "المسؤولية" في قضايا القدح والذم والتحقير والنشر، مع إلغاء العقوبات السالبة للحرية ومنع التوقيف الاحتياطي في قضايا التعبير عن الرأي.
لكن المشروع لا يتوقف عند ذلك.
صحفي ومصدره تحت حماية القانون
للمرة الأولى، يتضمن القانون حماية أوضح للصحفيين ومصادرهم، ويعزز استقلاليتهم التحريرية، كما يحمي حقهم في التجمع والانضمام إلى النقابات.
وتعتبر مهارات أن هذه الخطوات مهمة، لكنها ليست كافية وحدها. فالحماية الحقيقية تحتاج أيضًا إلى قضاء مستقل، ومساءلة عن الاعتداءات التي تطال الصحفيين، ونقابات أكثر قدرة على الدفاع عن حقوقهم، إضافة إلى تطوير قوانين مستقبلية تحمي حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية.
ماذا عن المواقع الإلكترونية؟
هنا يحاول المشروع مواكبة واقع الإعلام الجديد.
بدل الترخيص المسبق، يعتمد المشروع نظام العلم والخبر. أي أن أي شخص يستطيع إنشاء موقع إلكتروني، لكن الموقع الذي يريد أن يصنف نفسه كمؤسسة إعلامية مهنية يمكنه تقديم علم وخبر إلى الهيئة الوطنية للإعلام والالتزام بقواعد الشفافية.
والشفافية تعني، ببساطة، أن يعرف الجمهور من يملك الوسيلة الإعلامية ومن يمولها.
لكن هناك تفصيل في المادة 63، التي تشترط أن يكون المدير المسؤول عن الموقع الإلكتروني لبناني الجنسية. وهذا يعني أن غير اللبناني يستطيع امتلاك موقع والمشاركة في إدارته، لكنه لا يستطيع تولّي منصب المدير المسؤول عنه.
المشكلة الأكبر: من يقرر ما هو "خبر كاذب"؟
إذا كان المشروع يحمل كل هذه الإصلاحات، فلماذا ما زالت هناك مخاوف؟
الإجابة الأساسية هي المادة 104
المادة تجرّم الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، وهنا ترى مؤسسة مهارات أن المشكلة تكمن في اتساع المفهوم وإمكانية استخدامه ضد الصحفيين.
فمن يحدد أن خبرًا ما "كاذب"؟ وهل يكفي أن تكون المعلومة غير دقيقة حتى تصبح جريمة؟ وماذا لو كان الصحفي قد نشرها بحسن نية قبل أن تظهر معلومات جديدة؟
هذه الأسئلة مهمة لأن المشروع، من جهة، يحاول نقل قضايا النشر من القانون الجزائي إلى المسؤولية المدنية، لكنه، من جهة أخرى، يعيد إدخال التجريم من خلال الأخبار الكاذبة.
أما بالنسبة إلى خطاب الكراهية، فتؤكد مهارات أن التجريم يجب ألا يقوم على تعريف فضفاض. وتدعو إلى اعتماد معايير واضحة، مثل السياق والقصد وصفة المتحدث وطبيعة المحتوى ومدى انتشاره واحتمال وقوع ضرر وشيك، وهي عناصر تستند إلى خطة عمل الرباط.
المنطقة سبقت لبنان في هذا النقاش
هذه المشكلة ليست لبنانية فقط.
في الأردن، أثار قانون الجرائم الإلكترونية الجديد مخاوف وانتقادات بسبب اتساع بعض الجرائم والعقوبات المرتبطة بالمحتوى المنشور على الإنترنت، وسط تحذيرات من تأثير ذلك على الصحفيين والنقاش العام.
في المقابل، قدمت تونس بعد 2011 إطارًا قانونيًا أكثر وضوحًا لحماية حرية الصحافة والتعبير، بينما يتضمن الإطار المغربي ضمانات للصحفيين، بينها حماية سرية المصادر وتنظيم المهنة.
لكن التجارب العربية تعطي درسًا مهمًا: وجود قانون جيد على الورق لا يضمن وحده حرية الإعلام. فاستقلال القضاء، واستقلال الهيئات المنظمة، وطريقة تطبيق النصوص، كلها تحدد ما إذا كان القانون سيحمي الصحفي أم سيقيده.
لماذا القضاء المدني مهم؟
من أبرز التغييرات في المشروع أيضًا نقل قضايا النشر من محكمة المطبوعات والمحاكم الجزائية والعسكرية إلى القضاء المدني.
وهذا يعني أن الشخص الذي تُرفع ضده قضية إعلامية لن تكون أمامه محكمة واحدة فقط، بل يمكنه الاعتراض على الحكم ومراجعته أمام درجتين قضائيتين إضافيتين: الاستئناف ثم التمييز. وبعبارة أبسط، إذا لم يقتنع بالحكم الصادر عن المحكمة الأولى، يمكنه طلب مراجعته أمام محكمة الاستئناف، ثم الطعن به أمام محكمة التمييز وفق الشروط القانونية، ما يوفر له فرصًا أكبر للدفاع عن نفسه والتأكد من أن الحكم صدر وفق القانون.
لكن استقلال القضاء يبقى أساسيًا. فالقانون مهما كان جيدًا يمكن أن يفقد روحه إذا فُسّر بطريقة توسع القيود بدل حماية الحريات.
والذكاء الاصطناعي؟
هل يستطيع قانون الإعلام مواكبة الذكاء الاصطناعي والـDeepfake ووسائل التواصل؟
تقول مهارات إن محاولة وضع قواعد تفصيلية لكل تقنية جديدة قد تكون غير عملية، لأن التكنولوجيا تتغير بسرعة.
الأفضل، بحسب المؤسسة، أن يركز قانون الإعلام على المبادئ والحقوق والمسؤوليات، بينما تُنظم الشركات والمنصات الرقمية من خلال قواعد متخصصة تركز على الشفافية ومسؤولية المنصات.
ما المطلوب قبل إقرار القانون؟
بالنسبة إلى مؤسسة مهارات، الأولوية واضحة: تعديل المادة 104 وإلغاء تجريم الأخبار الكاذبة، إضافة إلى مراجعة المادة 105 لتوضيح المواد التي أُلغيت من قانون العقوبات ومنع أي محاولة لإعادة تجريم أفعال النشر عبر نصوص أخرى.
لكن المعركة لا تنتهي عند إقرار القانون.
فلبنان يحتاج إلى هيئة وطنية للإعلام مستقلة فعلًا، وقضاء مستقل، ونقابات أكثر تمثيلًا، وآليات فعالة للرد والتعويض، واستثمار أكبر في التربية الإعلامية والتحقق من المعلومات.
فالهدف ليس أن يصبح الإعلام بلا قواعد، بل أن تكون القواعد واضحة وعادلة ومتناسبة.
وفي النهاية، قد يكون الدرس الأهم من تجارب المنطقة بسيطًا: أفضل قانون إعلام ليس القانون الذي يقرر للناس ماذا يقولون، بل القانون الذي يحمي حقهم في القول، ويحاسب فقط عندما يكون هناك ضرر واضح، وبأدوات لا تتحول إلى عقوبة على الرأي نفسه.


