
العالم - بحلول 20 أغسطس 2026، كانت الحرائق قد أتت بالفعل على 619,613 هكتارًا في أنحاء الاتحاد الأوروبي، أي أكثر من ضعف المتوسط المسجل خلال السنوات العشرين الماضية، والبالغ نحو 280 ألف هكتار حتى هذه المرحلة من العام.
ولا تقتصر الصورة على أوروبا. فعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، سجلت الولايات المتحدة 49,608 حرائق غابات غطت أكثر من 7.5 مليون فدان بحلول منتصف أغسطس. وفي الفترة نفسها من عام 2025، كانت الحرائق قد أحرقت نحو 4 ملايين فدان. ويعادل إجمالي المساحات المحترقة في 2026 بالفعل 169% من متوسط المساحات المحترقة في الولايات المتحدة خلال السنوات العشر الماضية.
أما كندا، فسجلت 4,793 حريقًا واحتراق 4.1 مليون هكتار حتى 18 أغسطس، فيما لا يزال 582 حريقًا نشطًا، ويخضع أكثر من 10 آلاف شخص لأوامر إخلاء.
وتختلف هذه الأرقام من بلد إلى آخر، لكنها تشير إلى واقع واحد: أصبحت الحرائق اختبارًا كبيرًا للغابات والمجتمعات وخدمات الطوارئ. ولا يتوقف الضرر بمجرد إخماد ألسنة اللهب.
لبنان: أكثر من 2,000 حريق قبل أغسطس
يواجه لبنان بدوره موسم حرائق صعبًا.
وبحلول الأول من أغسطس، كانت المديرية العامة للدفاع المدني قد سجلت بالفعل 2,097 حريقًا وحادثة اندلاع نيران خارج المباني خلال عام 2026. وفي يوم واحد فقط أواخر يوليو، استجاب عناصر الإطفاء لأكثر من 140 حادثة حريق، معظمها في مناطق حرجية.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية أكبر عند مقارنتها بالسنوات السابقة. فقد سجل لبنان 3,412 حادثة طوال عام 2025، و6,412 حادثة في 2024، و4,276 حادثة في 2023. وتقع معظم الحرائق بين يونيو ونوفمبر، ما يعني أن رقم 2026 سُجل في وقت كان جزء كبير من موسم الحرائق في البلاد لا يزال أمامه.
كما يشير الدفاع المدني إلى أن الغالبية العظمى من الحرائق مرتبطة بالنشاط البشري، سواء كانت متعمدة أو ناجمة عن الإهمال. فالحرارة لا تشعل الغابة بالضرورة من تلقاء نفسها، لكن ارتفاع درجات الحرارة وجفاف الغطاء النباتي والرياح يمكن أن تحول حريقًا صغيرًا إلى حريق أكبر بكثير.
وفي جنوب لبنان، هناك عامل إضافي يتمثل في النزاع. ووفقًا للمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، احترق نحو 1,914 هكتارًا منذ 2 مارس 2026 في حرائق ناجمة عن هجمات إسرائيلية. ويضاف ذلك إلى 8,556 هكتارًا احترقت خلال النزاع في 2023-2024، ونحو 160 هكتارًا خلال فترة انتهاكات وقف إطلاق النار بين عامي 2024 و2026.
التكلفة التي تتجاوز ألسنة اللهب
يُظهر عدد الهكتارات المحترقة حجم الحريق، لكنه لا يخبرنا بكل ما اختفى معه.
عندما تدمر النباتات، تصبح التربة معرضة للرياح والأمطار. ويمكن أن تصل الرماد والرواسب والملوثات بعد ذلك إلى الأنهار والمياه الجوفية. ووجدت مراجعة أجرتها وكالة حماية البيئة الأميركية أن مستويات بعض العناصر الغذائية والمعادن والمواد الكيميائية في المياه يمكن أن ترتفع بعد حرائق الغابات بما يتراوح بين 10 و1,000 مرة مقارنة بالمناطق التي لم تحترق. وفي بعض الحالات، يمكن أن تستمر الآثار على المياه والنظم البيئية لمدة خمس سنوات أو أكثر.
وهناك أيضًا خسارة التنوع البيولوجي، والغطاء النباتي الذي يخزن الكربون، والأراضي الزراعية. وفي لبنان، قد تشمل المنطقة المحترقة بساتين الزيتون أو الأشجار المثمرة أو أراضي الرعي التي تعتمد عليها الأسر في تأمين سبل عيشها. ولا يمكن ببساطة استبدال الأشجار المعمرة في الموسم التالي.
ثم تأتي التكلفة المالية.
في أوروبا، قدرت تقديرات نُشرت في أوائل أغسطس الأثر الاقتصادي لحرائق الغابات الكبرى في فرنسا وإسبانيا واليونان خلال عام 2026 بما يتراوح بين 15.6 مليار يورو و19.1 مليار يورو. وتشمل هذه التقديرات الأضرار التي لحقت بالممتلكات والبنية التحتية، وتكاليف مكافحة الحرائق وإزالة الأنقاض، ومطالبات التأمين المتوقعة.
ولا يملك لبنان حتى الآن تقديرًا موثوقًا للتكلفة الاقتصادية لحرائق عام 2026 وحدها. لكن التقييمات السابقة تظهر مدى ارتفاع تكلفة تدمير الغابات. فقد أظهر تقييم لوزارة الزراعة أن نحو 4,946 هكتارًا من الغابات التي تضررت خلال النزاع في 2023-2024 أدت إلى خسائر تجاوزت 25 مليون دولار أميركي. وقدر التقييم نفسه أن القطاع الزراعي الأوسع سيحتاج إلى نحو 263 مليون دولار لإعادة الإعمار والتعافي.
ولا تمثل هذه الأرقام تكلفة حرائق 2026. لكنها توضح لماذا لا يُعد احتراق الغابات مجرد خسارة بيئية. فهناك تكاليف مرتبطة بإعادة تأهيل الأراضي، واستبدال الأشجار، وحماية الموارد المائية، ودعم المزارعين الذين فقدوا مصادر دخلهم مع احتراق محاصيلهم.
ماذا بعد؟
ستظل حرائق الغابات جزءًا من فصول الصيف في منطقة البحر المتوسط، لكن حجمها ليس أمرًا لا يمكن تجنبه بالكامل.
وتبقى استجابة الدفاع المدني ضرورية، لكن الوقاية تبدأ قبل ذلك بكثير، من خلال إدارة الغطاء النباتي الجاف، وصيانة طرق الغابات وخطوط عزل الحرائق، وفرض القيود على عمليات الحرق الخطرة، ومراقبة المناطق عالية الخطورة، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر.
وينطبق الأمر نفسه بعد اندلاع الحريق. إذ تحتاج الأراضي المحترقة إلى المراقبة وإعادة التأهيل عند الضرورة، قبل أن يؤدي التعرية وغيرها من الأضرار إلى جعل التعافي أكثر صعوبة.
وبالنسبة إلى لبنان، يجب ألا يقتصر السؤال على عدد الحرائق التي أُخمدت في عام 2026.
فمع تسجيل أكثر من 2,000 حادثة بالفعل قبل انتهاء أغسطس، واحتراق نحو 2,000 هكتار في الجنوب منذ مارس بسبب حرائق مرتبطة بالنزاع، فإن السؤال الأهم هو ما الذي نخسره في كل مرة تحترق فيها الأرض: الغابات، والدخل الزراعي، والتنوع البيولوجي، والموارد التي قد تحتاج إلى سنوات، أو حتى عقود، للتعافي.
قد يستمر الحريق ليوم واحد، لكن تكلفته قد تستمر لسنوات.