الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – يشهد قطاع الزراعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحولات متسارعة بفعل تزايد انعدام الأمن الغذائي، وشح المياه، وتغير المناخ، والنزاعات، وفق تحليل جديد نشره معهد Carboun.

ويستعرض التحليل، المنشور في 18 أيار، تطورات القطاع الزراعي في المنطقة بين عامَي 1960 و2026، مسلطًا الضوء على اتساع الفجوة بين الطلب على الغذاء والإنتاج المحلي، إلى جانب الأعباء البيئية المتزايدة الناجمة عن الممارسات الزراعية الحالية.

ولا تزال الزراعة تؤدي دورًا اقتصاديًا مهمًا في الدول غير الخليجية، إذ توظف نحو خُمس القوى العاملة وتساهم بمتوسط 14% من الناتج المحلي الإجمالي. أما في دول مجلس التعاون الخليجي، فلا تتجاوز مساهمة الزراعة 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط.

ورغم هذا الدور الاقتصادي، فإن جميع الدول التي شملها التحليل تُعد مستوردة صافية للغذاء. وتتراوح نسبة الاعتماد على الواردات بين نحو 20% من إمدادات الغذاء المحلية في مصر وإيران، وأكثر من 100% في بعض دول الخليج، التي تعتمد على الواردات لتوفير أكثر من 90% من استهلاكها المحلي، إلى جانب دورها كمراكز رئيسية لإعادة التصدير.

ضغوط متزايدة على الأمن الغذائي

أظهر التحليل أن الطلب الإقليمي على المنتجات الزراعية ارتفع ستة أضعاف بين عامَي 1960 و2011، في حين زاد الإنتاج الزراعي أربعة أضعاف فقط، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الطلب على الغذاء والإنتاج المحلي.

وبحلول عام 2024، كان 40.2% من سكان المنطقة يعانون من انعدام أمن غذائي متوسط أو شديد، في ظل التأثيرات المتداخلة للنزاعات والنزوح واضطرابات سلاسل الإمداد والضغوط المناخية المتزايدة.

ويشكل شح المياه تحديًا رئيسيًا آخر. فالزراعة تستهلك في المتوسط 67% من إجمالي عمليات سحب المياه العذبة في الدول التي شملها التقييم. وعند احتساب المياه الجوفية والمياه السطحية، ترتفع حصة الزراعة المتداولة في الأدبيات إلى نحو 80–85%.

كما يقدّر التحليل إنتاجية المياه في المنطقة بنحو نصف المتوسط العالمي فقط، فيما يمكن للدعم الكبير المقدم للمياه أن يخفي التكلفة الحقيقية للممارسات الزراعية غير الفعالة.

تغير المناخ وتدهور الأراضي

ومن المتوقع أن يزيد تغير المناخ من حدة هذه الضغوط. وتُعد النظم الزراعية في منطقة المغرب العربي من بين الأكثر عرضة للخطر عالميًا، مع توقعات تشير إلى إمكانية فقدان نحو نصف الأراضي الصالحة للزراعة بحلول عام 2050.

ويُعد تدهور الأراضي مشكلة قائمة بالفعل. إذ يبلغ متوسط نسبة الأراضي الزراعية المتدهورة في المنطقة العربية 38%، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 31%.

وفي مصر ولبنان والعراق واليمن وسوريا، تشير البيانات إلى أن 60% أو أكثر من الأراضي الزراعية تعاني من التدهور.

ولا تقتصر تداعيات ذلك على البيئة، بل تمتد إلى الاقتصاد أيضًا. فقد قدّر البنك الدولي خسائر خدمات النظم البيئية المرتبطة بتدهور الأراضي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنحو 5,600 دولار للفرد و300 ألف دولار لكل كيلومتر مربع في عام 2019، مقارنة بمتوسطات عالمية بلغت نحو 1,000 دولار للفرد و50 ألف دولار لكل كيلومتر مربع.

نحو أنظمة غذائية أكثر قدرة على الصمود

ويرى التحليل أن تعزيز الأمن الغذائي لا يمكن أن يعتمد فقط على زيادة الإنتاج المحلي أو السعي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي.

ويدعو بدلًا من ذلك إلى إجراء إصلاحات هيكلية في إدارة المياه والإنتاج الزراعي والتمويل والأنظمة الغذائية، إلى جانب تنويع الإنتاج الزراعي، واستعادة الأراضي المتدهورة، وتطوير بنى تحتية أكثر كفاءة.

كما يشدد على ضرورة تعزيز الترابط بين تمويل المناخ والطبيعة والتنمية، لمساعدة الأنظمة الزراعية على التكيف مع تغير المناخ، والحد في الوقت نفسه من الضغوط على الموارد الطبيعية المستنزفة في المنطقة.