
أميركا - اجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية في مجموعة العشرين في أشفيل بولاية نورث كارولاينا الأميركية يومي 31 أغسطس/آب و1 سبتمبر/أيلول، للمشاركة في اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين، وهو ثاني اجتماع وزاري من أصل ثلاثة اجتماعات للمسار المالي خلال رئاسة الولايات المتحدة لمجموعة العشرين في عام 2026.
وجمع الاجتماع 21 وزيراً للمالية و21 محافظاً للبنوك المركزية ومئات المسؤولين والمندوبين الآخرين، لمناقشة قضايا تؤثر في الاقتصاد العالمي والاستقرار المالي والتعاون الاقتصادي الدولي. وشارك نحو 500 من كبار المسؤولين والمندوبين في القطاع المالي العالمي في اجتماع أشفيل، فيما تجاوز إجمالي عدد المشاركين 1,000 شخص.
ما هو المسار المالي لمجموعة العشرين؟
يُعد المسار المالي المنتدى الرئيسي لمجموعة العشرين للتنسيق في القضايا الاقتصادية والمالية، إذ يجمع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمناقشة القضايا التي تؤثر في الاقتصاد العالمي.
وتتيح اجتماعات المسار المالي لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية التنسيق بشأن القضايا الاقتصادية والمالية قبل اجتماع قادة مجموعة العشرين في نهاية عام الرئاسة. وتهدف هذه العملية إلى بناء توافق بين الدول الأعضاء ووضع أولويات يمكن أن تنتقل في نهاية المطاف إلى مستوى القادة.
وترأس اجتماع أشفيل وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الذي وصف نهج الولايات المتحدة خلال رئاستها للمجموعة بأنه "مبسّط وموجّه نحو تحقيق النتائج".
واستند جدول الأعمال إلى ستة محاور أعلنها بيسنت في فبراير/شباط، وهي: تحديث التنظيم المالي، ومعالجة الاختلالات العالمية، وشفافية الديون وإعادة هيكلتها، والأصول الرقمية، والمدفوعات العابرة للحدود والاحتيال، والثقافة المالية.
ستة محاور وأجندة واحدة للنمو
قد تبدو الأولويات الست منفصلة عن بعضها، لكنها ترتبط بهدف مركزي واحد: تحقيق النمو الاقتصادي.
وترى الرئاسة الأميركية أن الاقتصاد العالمي يواجه عوائق تتمثل في الإفراط في التنظيم، والحوافز الضريبية والمالية المصممة بصورة غير فعالة، ونقص الاستثمار، وتجزؤ الأسواق، والقيود التي تواجه القوى العاملة. لذلك، سعت مناقشات أشفيل إلى ربط السياسات المالية بأجندة أوسع للنمو الاقتصادي.
1. تحديث التنظيم المالي
يركز المحور الأول على تحديث القواعد التنظيمية المالية بما يعكس التطورات التي شهدتها الأنظمة المالية.
وترى الولايات المتحدة أن القواعد التنظيمية ينبغي أن تركز على المخاطر الجوهرية، مع الحد من القواعد التي تفرض أعباء غير ضرورية. وأشارت إلى نهجها الخاص في إصلاحات متطلبات رأس المال ضمن بازل 3 (Basel III) باعتباره مثالاً على نموذج أكثر حساسية للمخاطر، بحسب رؤيتها.
بازل 3 هو مجموعة دولية من القواعد المصرفية تهدف إلى تعزيز قدرة البنوك على الصمود، من خلال إلزامها بالاحتفاظ برأس مال كافٍ لامتصاص الخسائر المالية. ويعتمد النظام على متطلبات رأس مال مرتبطة بمستوى المخاطر، ما يعني أن البنوك تحتاج عموماً إلى الاحتفاظ برأس مال أكبر مقابل الأصول والتعرضات الأكثر خطورة.
ويعمل مجلس الاستقرار المالي على وضع مبادئ جديدة لتحديث النظام المالي، على أن تُطرح هذه المبادئ أمام الجمهور والمنظمات المعنية هذا الخريف للحصول على الملاحظات، قبل تقديمها إلى مجموعة العشرين.
أهمية هذا المحور: تؤثر القواعد التنظيمية المالية في قدرة البنوك على الإقراض والاستثمار والتعامل مع المخاطر. ويتمثل التحدي في إيجاد توازن بين تشجيع النمو وتجنب نقاط الضعف التي ساهمت في أزمات مالية سابقة.
2. الاختلالات العالمية
يتناول المحور الثاني الفروقات المستمرة بين الدول التي تسجل فوائض تجارية كبيرة وتلك التي تسجل عجزاً تجارياً كبيراً.
وقد ركزت الولايات المتحدة بصورة متزايدة على هذه القضية مع ارتفاع صادرات الصين، في وقت لا يزال فيه الاستهلاك المحلي الصيني ضعيفاً نسبياً. وترى واشنطن أن معالجة الاختلالات العالمية لا يمكن أن تقع على عاتق الولايات المتحدة وحدها، بل تتطلب تحركاً منسقاً بين الاقتصادات الكبرى.
وفي أشفيل، طلب الوزراء من صندوق النقد الدولي (IMF) ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تحسين البيانات المتاحة لتحليل هذه الاختلالات، بما في ذلك المعلومات المتعلقة بالسياسات والممارسات غير القائمة على آليات السوق.
أهمية هذا المحور: يمكن للاختلالات المستمرة أن تسهم في زيادة التوترات التجارية وتراكم الديون وعدم توازن النمو الاقتصادي. لكن النتيجة المباشرة للاجتماع كانت تحليلية أكثر منها التزاماً جديداً يستهدف دولة بعينها.
3. شفافية الديون وإعادة هيكلتها
لا تزال الديون تشكل تحدياً رئيسياً أمام الاقتصادات النامية، ولا سيما مع ارتفاع أسعار الفائدة العالمية، ما يزيد تكاليف الاقتراض وخدمة الديون.
وقد حقق الإطار المشترك لمجموعة العشرين لمعالجة الديون تقدماً، لكنه لا يزال يواجه صعوبات تتعلق بالتنسيق بين الدائنين والشفافية.
والإطار المشترك لمجموعة العشرين لمعالجة الديون هو نظام أنشأته دول مجموعة العشرين ونادي باريس لمساعدة البلدان منخفضة الدخل المثقلة بالديون على إعادة هيكلة ديونها أو خفضها عندما تصبح غير قادرة على سدادها وفق الشروط القائمة.
وفي أشفيل، جدد الوزراء التزامهم بمعالجة تحديات استدامة الديون، لكنهم لم يضعوا متطلباً جديداً وملزماً للإفصاح عن المعلومات المتعلقة بالديون.
أهمية هذا المحور: من دون مستويات ديون مستدامة وعمليات أكثر وضوحاً لإعادة الهيكلة، قد تواجه الدول التي تعاني من ضغوط الديون صعوبة في الاستثمار في البنية التحتية والصحة والتعليم وغيرها من المجالات الضرورية لتحقيق النمو على المدى الطويل.
4. الأصول الرقمية
أصبحت العملات المستقرة وغيرها من الأصول الرقمية جزءاً متزايد الأهمية من النقاشات المالية الرئيسية، ما يفرض ضغوطاً على الجهات التنظيمية لوضع قواعد متوافقة عبر الحدود.
وضعت الولايات المتحدة الأصول الرقمية في مقدمة أولوياتها، معتبرة أن وجود قواعد تنظيمية أكثر وضوحاً يمكن أن يشجع الابتكار مع الحفاظ على الاستقرار المالي. كما ترى أن العملات المستقرة قد تؤدي دوراً مهماً في مستقبل الدولار الأميركي ضمن النظام المالي العالمي.
وفي أشفيل، دعم الوزراء وضع "مسارات واضحة" للابتكار في مجال الأصول الرقمية، في انتظار مزيد من العمل الذي يجريه مجلس الاستقرار المالي بشأن المخاطر والتداعيات العابرة للحدود للعملات المستقرة العالمية.
أهمية هذا المحور: يمكن لاختلاف القواعد التنظيمية بين الدول أن يجعل من الصعب على شركات الأصول الرقمية العمل على المستوى الدولي. وقد يساعد المزيد من التوافق التنظيمي في تسهيل الابتكار، لكن ضعف الرقابة قد يؤدي إلى مخاطر جديدة على الاستقرار المالي وتمويل الأنشطة غير المشروعة.
5. المدفوعات العابرة للحدود والاحتيال
يركز المحور الخامس على جعل المدفوعات الدولية أسرع وأكثر كفاءة، مع التصدي للمشكلة المتنامية المتمثلة في الاحتيال.
وقد حددت مجموعة العشرين هدفاً يتمثل في وصول 75% من مدفوعات التجزئة العابرة للحدود إلى المستفيدين خلال ساعة واحدة بحلول نهاية عام 2027. وقد تحقق بالفعل تقدم في هذا المجال، إذ تشير البيانات إلى أن 75% من المدفوعات تصل إلى البنوك المستفيدة خلال 10 دقائق.
لكن تسريع المدفوعات يمكن أن يخلق أيضاً فرصاً جديدة للاحتيال، خصوصاً مع استخدام الذكاء الاصطناعي لجعل عمليات الاحتيال أكثر تطوراً.
أهمية هذا المحور: يمكن للمدفوعات الدولية الأسرع والأقل تكلفة أن تدعم التجارة والتحويلات المالية والاستثمار. لكن تحقيق هذه الفوائد يعتمد في الوقت نفسه على تعزيز الأمن والحماية من الاحتيال.
6. الثقافة المالية
يُعد المحور الأخير أقل تقنية، لكنه قد يكون أكثر ارتباطاً بشكل مباشر بالأسر والأفراد.
وقد قدمت الرئاسة الأميركية الثقافة المالية باعتبارها أساساً للصحة والرفاه الماليين. ورحب وزراء أشفيل بهذا التركيز، فيما يُتوقع تسليط الضوء في قمة القادة في ديسمبر/كانون الأول على الفائزين في برنامج Financial Literacy Solutions Sprint المدعوم من البنك الدولي.
أهمية هذا المحور: يمكن لفهم الادخار والديون والاستثمار والمخاطر المالية أن يعزز قدرة الأفراد على المشاركة في الاقتصاد واتخاذ قرارات مالية أفضل. لكن، خلافاً للمحاور الأخرى، من غير المرجح أن تؤدي الثقافة المالية إلى نتائج تنظيمية قابلة للقياس بشكل مباشر.
صندوق النقد يحذر من أن النمو يخفي مخاطر أعمق
قدمت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، تقييماً أكثر حذراً للاقتصاد العالمي بعد الاجتماع.
وبحسب بيانها، تحسنت آفاق النمو العالمي لعام 2026 لتصل إلى نحو 3%، مدفوعة جزئياً بتكيف أقوى من المتوقع مع صدمة الطاقة، إلى جانب ارتفاع الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
لكن غورغييفا حذرت من أن رقم النمو الإجمالي يخفي اختلافات كبيرة بين الاقتصادات.
وسلطت الضوء على عدد من المخاطر، من بينها استمرار اضطرابات الطاقة، ووصول الدين العام إلى مستويات مرتفعة تاريخياً، وتأخر انخفاض التضخم في بعض الدول، وعدم اليقين بشأن التأثير النهائي للذكاء الاصطناعي على الإنتاجية والاستقرار المالي.
وكانت رسالتها واضحة: النمو وحده لا يكفي. وينبغي للبنوك المركزية أن تواصل التركيز على استقرار الأسعار، وعلى الحكومات وضع خطط مالية موثوقة على المدى المتوسط، بينما يجب أن تعمل الإصلاحات الهيكلية على إزالة العقبات التي تحد من النمو.
وفي ما يتعلق بديون الدول النامية، دعت غورغييفا إلى تسريع عمليات إعادة الهيكلة عندما تكون مستويات الدين غير مستدامة، وتعزيز شفافية الديون، وزيادة تعبئة التمويل الخاص والثنائي.
أما بشأن الاختلالات العالمية، فقد توافقت مواقف صندوق النقد الدولي إلى حد كبير مع النقاش داخل مجموعة العشرين: إذ يتعين على اقتصادات الفائض والعجز على حد سواء اتخاذ إجراءات. وينبغي لاقتصادات الفائض تعزيز الاستهلاك والاستثمار المحليين، بينما تحتاج اقتصادات العجز إلى إعادة بناء المدخرات والاحتياطيات المالية.
ماذا بعد؟
على الرغم من اتساع جدول أعمال أشفيل، لا تزال معظم النتائج في إطار العمل المستمر، بدلاً من أن تكون التزامات جديدة وملزمة.
ويعكس ذلك أحد القيود الأساسية لمجموعة العشرين: فالقرارات تتطلب توافقاً بين مجموعة متنوعة من الاقتصادات الكبرى، ما يجعل التوصل إلى اتفاقات طموحة أمراً صعباً عندما تتعارض المصالح الاقتصادية والجيوسياسية للأعضاء.
وتأتي المحطة الرئيسية المقبلة في 15 أكتوبر/تشرين الأول في بانكوك، حيث سيجتمع وزراء المالية مرة أخرى. وبحلول ذلك الوقت، يُتوقع أن يوفر العمل بشأن العملات المستقرة وبيانات الاختلالات العالمية مزيداً من التفاصيل والمضمون لعدد من أولويات اجتماع أشفيل.
أما الاختبار السياسي النهائي فسيكون خلال قمة قادة مجموعة العشرين في ميامي يومي 14 و15 ديسمبر/كانون الأول. وهناك ستحاول الولايات المتحدة تحويل المحاور الستة للمسار المالي خلال عام رئاستها إلى التزامات على مستوى القادة.
حقائق سريعة
الاجتماع: اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين
المكان: أشفيل، نورث كارولاينا، الولايات المتحدة
التاريخ: 31 أغسطس/آب – 1 سبتمبر/أيلول 2026
رئيس الاجتماع: وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت
وزراء المالية: 21
محافظو البنوك المركزية: 21
إجمالي الحضور: أكثر من 1,000 شخص
محاور المسار المالي: ستة
الاجتماع المقبل لوزراء المالية: 15 أكتوبر/تشرين الأول، بانكوك
قمة قادة مجموعة العشرين: 14–15 ديسمبر/كانون الأول، ميامي
توقعات النمو العالمي لعام 2026: نحو 3%، وفقاً للمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا
الخلاصة
حدد اجتماع أشفيل اتجاه الأجندة الاقتصادية لرئاسة الولايات المتحدة لمجموعة العشرين، لكن الجزء الأكبر من العمل الملموس لا يزال أمام المجموعة. ويبقى السؤال الرئيسي هو ما إذا كانت المحاور الستة ستنتقل من مبادئ عامة ومتابعة فنية إلى التزامات ملموسة بحلول ديسمبر/كانون الأول.

