
لبنان - بعد نحو ثماني سنوات على توقف القروض السكنية، يعود ملف تمويل السكن إلى الواجهة في لبنان، وسط أزمة عقارية ومعيشية جعلت تملّك منزل حلماً مؤجلاً بالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين، ولا سيما الشباب.
وفيما لحظ مشروع موازنة 2027 اعتماداً بنحو 6 آلاف مليار ليرة لصالح المؤسسة العامة للإسكان، بما قد يعيد تفعيل دورها في تمويل المواطنين الراغبين في التملّك، تبدو الصورة أكثر تعقيداً عند النظر إلى حجم الطلب الفعلي على القروض وحجم الموارد المتاحة.
في موازاة ذلك، يستعيد مصرف الإسكان دوره في التمويل السكني، بعدما نجح في استقطاب تمويل بقيمة 50 مليون دينار كويتي من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، أي ما يقارب 165 مليون دولار.
1200 قرض حتى آب... والطلب أكبر من التمويل
الأرقام تعكس حجم الحاجة. فمن أصل التمويل المتاح، صُرف حتى آب 2026 نحو 83 مليون دولار، استفادت منه حوالي 1200 عائلة لبنانية مقيمة أو مغتربة، عبر قروض توزعت على مختلف المناطق اللبنانية.
ويشير رئيس مجلس إدارة مصرف الإسكان أنطوان حبيب، في حديث خاص لانمائية، إلى أن حجم الطلب الحالي يفوق الموارد المتاحة، في ظل حاجة متزايدة لدى الشباب وذوي الدخل المحدود والمتوسط إلى الانتقال من الإيجار إلى التملّك.
ولا تبدو المشكلة مرتبطة بغياب الرغبة في التملّك، بقدر ما ترتبط بقدرة المواطنين على تحمّل كلفة العقار والتمويل في آن واحد. فسنوات التراجع الاقتصادي وارتفاع أسعار العقارات جعلت الحصول على قرض سكني تحدياً بحد ذاته، فيما بقيت الإيجارات تستنزف جزءاً كبيراً من مداخيل الأسر.
100 ألف دولار للشراء والبناء... و50 ألفاً للترميم
في محاولة لمواكبة ارتفاع أسعار العقارات وكلفة البناء، رفع مصرف الإسكان سقف القرض المخصص للشراء أو البناء إلى 100 ألف دولار، بعدما كان سقف الـ50 ألف دولار أقل قدرة على تلبية متطلبات السوق الحالية.
أما القروض المخصصة للترميم، فيصل سقفها إلى 50 ألف دولار.
وبالتوازي، خُفّضت الفائدة على القروض إلى 5.75% اعتباراً من 1 تموز 2026، في خطوة تهدف إلى تخفيف جزء من الكلفة عن المواطن.
إلا أن خفض الفائدة، رغم أهميته، لا يحل المشكلة بالكامل. فبحسب حبيب، يبقى تأمين تمويل طويل الأجل ومنخفض الكلفة من الصناديق العربية والمؤسسات الدولية والجهات المانحة عاملاً أساسياً في إمكانية خفض كلفة القروض مستقبلاً.
بمعنى آخر، معادلة القروض السكنية لا تتوقف عند تحديد سقف التمويل، بل ترتبط مباشرة بكلفة الأموال التي يحصل عليها المصرف وقدرته على تحويلها إلى قروض بشروط أكثر ملاءمة للمواطن.
الشباب في قلب الأزمة
من أكثر الفئات التي دفعت ثمن أزمة السكن الشباب اللبناني، الذين باتوا أمام خيارات صعبة تتراوح بين تأجيل الزواج، والاستمرار في الإيجار، أو الهجرة بحثاً عن قدرة شرائية أفضل.
وفي هذا السياق، تستهدف القروض الحالية بصورة أساسية ذوي الدخل المحدود والمتوسط، ما يجعلها قريبة من احتياجات شريحة واسعة من الشباب، خصوصاً بعد رفع سقف القرض إلى 100 ألف دولار.
لكن القرض التقليدي لا يناسب جميع الراغبين في التملّك، خصوصاً أولئك الذين يواجهون صعوبة في تأمين الدفعة الأولى أو لا يمتلكون القدرة على الحصول على تمويل كامل.
من هنا يبرز مشروع Rent-to-Own، الذي ينظر إليه مصرف الإسكان كخيار مكمل للتمويل التقليدي، يسمح للمواطن بالسكن مع إمكانية الانتقال تدريجياً نحو التملّك.
المشروع لا يزال في مرحلة الدراسة والتحضير، فيما يتطلب إطلاقه استكمال الجوانب القانونية والمالية والعقارية وآليات التسعير والتمويل، قبل الانتقال إلى التطبيق الفعلي.
165 مليون دولار... هل تكفي؟
رغم أهمية التمويل الذي حصل عليه مصرف الإسكان، فإن حجم الحاجة السكنية في لبنان يجعل من الصعب اعتبار مبلغ 165 مليون دولار حلاً طويل الأمد.
فقد استُخدم نحو نصف التمويل تقريباً حتى آب، فيما استفادت منه 1200 عائلة. وفي ظل استمرار الطلب، تصبح مسألة تأمين مصادر إضافية للتمويل أحد أبرز التحديات أمام استمرارية برنامج الإقراض.
ويؤكد حبيب أن المصرف يعمل على البحث عن مصادر تمويل جديدة من الصناديق العربية والمؤسسات الدولية والجهات المانحة، في محاولة لتوسيع قاعدة المستفيدين وضمان استمرار القروض لفترة أطول.
وتكمن أهمية هذه المقاربة في أن التمويل السكني لا يقوم على ضخ الأموال ثم استنفادها، بل على دورة تمويلية تسمح بإعادة توظيف الموارد مع تسديد القروض على مراحل.
مصرف الإسكان وحده لا يكفي
ورغم الدور الذي يمكن أن يؤديه مصرف الإسكان، فإن معالجة أزمة السكن تتجاوز قدرته منفرداً.
فالأزمة، وفق حبيب، تحتاج إلى سياسة إسكانية وطنية طويلة الأمد تجمع الدولة ومصرف الإسكان والقطاع المصرفي والصناديق العربية والمؤسسات الدولية والقطاع العقاري.
ويأتي تأمين التمويل الطويل الأجل والمنخفض الكلفة في مقدمة الأولويات، إلى جانب وضع سياسة إسكانية واضحة لا تقتصر على برامج مؤقتة أو مرتبطة بظروف اقتصادية محددة.
فالهدف، في نهاية المطاف، لا يقتصر على منح قرض جديد، بل على بناء منظومة تمويل تجعل امتلاك منزل ممكناً بالنسبة إلى المواطن اللبناني، وخصوصاً الشباب، من دون أن يتحول القرض نفسه إلى عبء يفوق قدرته على السداد.
هل تعود القروض السكنية فعلاً؟
بين 100 ألف دولار كسقف للشراء والبناء، و50 ألفاً للترميم، وفائدة عند 5.75%، وتمويل حالي يقارب 165 مليون دولار، تبدو أدوات التمويل السكني اليوم أكثر حضوراً مما كانت عليه خلال السنوات الماضية.
لكن عودة القروض لا تعني تلقائياً انتهاء أزمة السكن.
فالاختبار الحقيقي سيكون في القدرة على توسيع التمويل، خفض كلفته، والوصول إلى أكبر عدد ممكن من اللبنانيين، بالتوازي مع سياسة إسكانية رسمية قادرة على التعامل مع الأزمة كملف اقتصادي واجتماعي طويل الأمد.
وفي بلد تراجعت فيه قدرة الشباب على التملّك إلى مستويات غير مسبوقة، قد تكون عودة القروض بداية للحل، لكنها بالتأكيد ليست الحل وحدها.