
ملاحظة حول المحتوى: يتناول هذا المقال موضوع الانتحار والضيق النفسي. إذا كنت أنت أو شخص تعرفه يمرّ بظروف صعبة أو تراوده أفكار انتحارية، يمكن الاتصال بالخط الوطني الساخن للدعم النفسي والوقاية من الانتحار في لبنان على الرقم 1564. تتوفر الخدمة على مدار الساعة، وتقدّم دعماً عاطفياً سرياً ومساعدة في الأزمات.
لبنان - سجّل لبنان 147 حالة وفاة نتيجة الانتحار عام 2025، مقارنة بـ129 حالة في العام السابق. وبحلول منتصف نيسان/أبريل 2026، كانت 47 حالة إضافية قد سُجّلت، أي ما يقارب حالة وفاة واحدة كل يومين، وفقاً لأرقام نشرتها جمعية «إمبرايس» بالتنسيق مع البرنامج الوطني للصحة النفسية. ومع ذلك، قد لا تعكس هذه الأرقام الحجم الكامل للمشكلة، إذ يمكن للوصمة الاجتماعية وضعف أنظمة الرصد والتوثيق أن يؤديا إلى عدم تسجيل بعض الحالات.
لا تقتصر آثار هذه الوصمة على منع بعض الأشخاص من طلب المساعدة، بل تؤثر أيضاً في الطريقة التي يُناقش بها الانتحار ويُغطّى في وسائل الإعلام.
يمكن للتغطية الإعلامية أن تكسر الصمت المحيط بالانتحار، وأن توجّه الأشخاص نحو مصادر الدعم، وأن تفتح نقاشاً عاماً أكثر وعياً. لكنها قد تكرّس أيضاً مفاهيم خاطئة، وتنتهك خصوصية العائلات المفجوعة، وتعمّق مشاعر اليأس لدى القرّاء الذين يمرّون بأوضاع نفسية صعبة.
لذلك، لا تقتصر مسؤولية وسائل الإعلام على تغطية الحادثة، بل تشمل أيضاً الطريقة التي تختار بها روايتها.
عندما تصبح وفاة شخص نتيجة الانتحار خبراً، غالباً ما يبحث الصحفيون عن تفسير واضح ومباشر: الديون، أو البطالة، أو الضغط الدراسي، أو انتهاء علاقة عاطفية، أو خلاف عائلي. فالسبب الواحد يصنع عنواناً بسيطاً، لكن الانتحار نادراً ما يكون نتيجة حدث واحد فقط.
تحذّر ورقة سياسات لبنانية أعدّتها جمعية «إمبرايس» ومعهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت من تقديم الانتحار بوصفه نتيجة مباشرة لظرف واحد. فقد تتداخل عوامل نفسية وعاطفية واجتماعية واقتصادية وثقافية بطرق معقدة. واختزال وفاة شخص في سبب أو خلاف واحد يشوّه هذا التعقيد، وقد يوحي بأن الانتحار كان استجابة متوقعة أو حتى حتمية.
يشكّل لبنان مثالاً واضحاً على تراكم الأزمات وتداخلها. فعدم الاستقرار الاقتصادي، والنزوح، والحرب، وصعوبة الوصول إلى الرعاية، واستمرار حالة عدم اليقين، كلها عوامل قد تضع الناس تحت ضغوط شديدة. ويجب على الإعلام أن يبحث في هذه العوامل المترابطة، من دون تقديمها على أنها تفسير كامل لوفاة شخص بعينه.
قد يسبّب نشر تفاصيل صريحة وحساسة ضرراً إضافياً. ويشمل ذلك نشر الرسائل أو الملاحظات الخاصة، ووصف طريقة الوفاة أو مكانها بالتفصيل، واستخدام صور مؤلمة، وتكرار عرض صور الشخص المتوفى. فمثل هذه الممارسات قد تحوّل معاناة شخصية إلى مشهد عام مثير.
للغة أهميتها أيضاً. فالعبارات التي تضفي طابعاً رومانسياً على الوفاة، أو تلقي اللوم على طرف ما، أو تصف الانتحار بأنه «حل»، قد تعزّز أفكاراً خطرة. وحتى كلمات مثل «موجة» أو «وباء» أو «ارتفاع حاد» ينبغي ألّا تُستخدم من دون بيانات موثوقة وتحليل يمتد على فترة زمنية كافية.
لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال داخل غرفة الأخبار: «هل تستحق هذه القصة النشر؟» فقط، بل أيضاً: «ما القيمة العامة التي ستقدمها؟ وهل يمكن لطريقة سردها أن تسبب مزيداً من الضرر؟»
لا تعني التغطية المسؤولة التزام الصمت، بل تعني أن يكون للنشر هدف واضح ومفيد.
تشدد إرشادات منظمة الصحة العالمية للعاملين في الإعلام على أن التغطية قد تدعم جهود الوقاية من الانتحار أو تضعفها. فالتغطية الواسعة لحالات وفاة فردية قد تتبعها حالات إضافية، ولا سيما عندما تكون التغطية متكررة أو مثيرة أو تتضمن تفاصيل صريحة. في المقابل، قد تساهم القصص التي تعرض تجارب أشخاص تجاوزوا أزمات انتحارية، وحصلوا على الدعم، وبدأوا رحلة التعافي في تعزيز الوقاية.
وتدعو منظمة الصحة العالمية الصحفيين إلى تقديم معلومات دقيقة، والرجوع إلى خبراء موثوقين، واحترام خصوصية الشخص وعائلته، وتجنّب التفاصيل الحساسة، وإدراج معلومات واضحة حول الجهات التي يمكن اللجوء إليها للحصول على الدعم.
وتقدم ورقة السياسات الصادرة عن «إمبرايس» ومعهد عصام فارس توصيات مماثلة وموجّهة إلى السياق اللبناني. فهي تدعو غرف الأخبار إلى التعامل مع الانتحار باعتباره قضية صحية بالدرجة الأولى، لا خبراً جنائياً، وإلى استشارة المتخصصين في الصحة النفسية والتركيز على طلب المساعدة وأساليب التعامل الإيجابية مع الأزمات. كما توصي بإضافة تنبيه حول طبيعة المحتوى ورقم الخط الوطني الساخن إلى كل مادة إعلامية تتناول الانتحار.
يغيّر هذا النهج محور القصة. فبدلاً من جعل الوفاة العنصر الأبرز، تضع التغطية المسؤولة الوقاية والدعم والتعافي في الواجهة.
يمكن للصحافة التي تركز على الوقاية أن تبحث في مدى توافر خدمات الصحة النفسية وقدرة الناس في مختلف المناطق اللبنانية على تحمّل تكلفتها. ويمكنها أن تتناول الضغوط التي يواجهها الشباب، وآثار الحرب والنزوح، ومدى استعداد المدارس وأماكن العمل للتعرّف إلى مؤشرات الضيق النفسي. كما يمكنها أن تسأل عمّا يحدث عندما لا يفقد الناس دخلهم واستقرارهم فحسب، بل أيضاً شعورهم بالقدرة على التحكم بحياتهم وتخيّل مستقبل مختلف.
وتوضح الاتصالات الأخيرة بالخط الوطني الساخن أهمية هذه الأسئلة. فوفقاً لـالتقرير الموجز للخط الوطني الساخن، الذي نشرته «إمبرايس» في حزيران/يونيو استناداً إلى المكالمات المسجّلة حتى أيار/مايو 2026، كان «الشعور بأن الشخص عالق ولا يستطيع تغيير واقعه» عامل الخطر الأكثر تكراراً. وقد ظهر في 28% من المكالمات، مقارنة بـ20.7% عام 2025.
وحدّد التقرير هذا الشعور بوصفه العامل الفردي الذي سجّل الزيادة الأكبر، وربطه بصورة وثيقة بعدم الاستقرار الاقتصادي. كما كان المتصلون الذين عبّروا عن شعورهم بأنهم عالقون أكثر عرضة بما يزيد على الضعف لأن تراودهم أفكار فعلية حول الانتحار في الوقت الراهن. وهذا يجعل ذلك الشعور مؤشراً مهماً يستدعي التقييم السريع وتقديم الدعم.
قد يبدو «الشعور بأن الشخص عالق» إحساساً فردياً، لكنه قد يكشف عن ظروف أوسع، منها محدودية فرص العمل، وانقطاع التعليم، والاعتماد المالي على الآخرين، والنزوح، والعزلة، وسنوات من عدم اليقين. كما أن غياب المساحات العامة والمجتمعية الآمنة أو إهمالها قد يقلل فرص التواصل بين الناس في وقت يصبح فيه الشعور بالانتماء أكثر أهمية.
هنا ينتقل السؤال من: «لماذا فعل هذا الشخص ذلك؟» إلى: «ما الظروف والأنظمة التي يمكن أن تساعد على منع وفيات أخرى؟»
تعكس الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية في لبنان للأعوام 2024–2030 هذا الفهم الأوسع. وتشمل أولوياتها توفير الرعاية المجتمعية، وضمان استدامة دعم الخط الوطني الساخن، وتعزيز الوقاية في المدارس وأماكن العمل، والتعامل مع الضغوط الاجتماعية والظروف العامة المؤثرة في الصحة النفسية، وتقوية الشراكات مع المؤسسات الإعلامية. كما تدعو إلى تدريب الصحفيين ووضع سياسات تحريرية تراعي الصحة النفسية.
الوقاية من الانتحار ليست قضية صحية منفصلة عن بقية جوانب الحياة، بل تبدأ في المنازل والمدارس وأماكن العمل وغرف الأخبار.
مع كل تقرير، تتخذ وسائل الإعلام قراراً: إما أن تختزل حياة إنسان في عنوان مثير، أو أن تقدم للقراء فهماً أعمق وطريقاً نحو الدعم. قد لا تتمكن وسائل الإعلام من معالجة جميع الظروف التي تساهم في الضيق النفسي، لكنها تستطيع ضمان ألّا تزيد القصص التي تنشرها من حدته.
إذا كنت أنت أو شخص تعرفه يمرّ بضيق نفسي شديد أو تراوده أفكار انتحارية، يمكن الاتصال بالخط الوطني الساخن في لبنان على الرقم 1564. تدير جمعية «إمبرايس» الخط بالشراكة مع البرنامج الوطني للصحة النفسية، وهو متاح على مدار الساعة.