
لبنان - أثارت مسودة موازنة لبنان لعام 2027، التي تقدّر إجمالي الإنفاق الحكومي بنحو 6.87 مليارات دولار، تساؤلات جديدة حول مدى كفاية المخصصات المقترحة لمعالجة أزمة التعليم المتفاقمة في البلاد.
وكان وزير المالية ياسين جابر قد أحال مسودة الموازنة إلى الحكومة في نهاية آب، وقدّرت الإيرادات والنفقات بنحو 614.95 تريليون ليرة لبنانية لكل منهما، بزيادة قدرها 14.2% مقارنة بموازنة عام 2026. وتأتي المسودة متوازنة من دون عجز متوقّع.
ويُعد قطاع التعليم من بين أكبر بنود الإنفاق، إذ خُصص لوزارة التربية والتعليم العالي نحو 64.54 تريليون ليرة، أي ما يعادل نحو 721 مليون دولار، أو 10.5% من إجمالي الإنفاق، وفقاً لتحليل لمسودة الموازنة.
إلا أن هذه الزيادة تأتي في وقت لا يزال فيه نظام التعليم في لبنان يواجه تداعيات سنوات من الأزمة الاقتصادية، وإقفال المدارس، وإضرابات المعلمين، والنزوح، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية التعليمية.
أزمة تعلم متفاقمة
حذّر البنك الدولي في وقت سابق من أن نظام التعليم في لبنان كان يواجه تحديات جدية على مستوى التعلم حتى قبل الأزمة الحالية. وكان من المقدّر أن يكمل الطلاب في لبنان 10.2 سنوات من التعليم في المتوسط، إلا أن احتساب مستوى التعلم الفعلي أظهر أن ذلك يعادل 6.3 سنوات فقط من التعلم الفعلي.
كما واجه طلاب المدارس الرسمية اضطرابات كبيرة خلال السنوات التي أعقبت الأزمة الاقتصادية عام 2019. ووفقاً للبنك الدولي، تلقّى الأطفال في المدارس الرسمية نحو 270 يوماً من التعليم الحضوري، من أصل 600 يوم كان من المتوقع أن يتلقوها خلال أربعة أعوام دراسية بين 2019-2020 و2022-2023.
وزادت إضرابات المعلمين، التي ارتبطت إلى حد كبير بتراجع الرواتب والقدرة الشرائية، من اضطراب العملية التعليمية. وكانت اليونيسف قد حذّرت سابقاً من أن إغلاق المدارس لفترات طويلة خلّف آثاراً مستمرة على تعلم الأطفال ورفاههم.
وأضاف النزاع الأخير طبقة أخرى من الضغوط. وأظهر تقييم وطني أجرته وزارة التربية والتعليم العالي في حزيران، بدعم من اليونيسف، تضرر 340 مدرسة، بينها 17 مدرسة دُمّرت بالكامل. وحذّرت اليونيسف في تموز من أن ما لا يقل عن 100 ألف طفل قد يجدون أنفسهم من دون صفوف دراسية مع بدء العام الدراسي الجديد، في حال عدم إجراء الإصلاحات اللازمة بشكل عاجل.
تمويل المعلمين والمدارس
كما أثارت مسودة الموازنة اهتماماً بشأن هيكلية الإنفاق على التعليم. وأظهر تحليل مالي حديث يقارن بين موازنة 2026 ومسودة موازنة 2027 زيادات في عدد من بنود التعليم، من بينها 1.18 تريليون ليرة للتعليم الأساسي، و1.22 تريليون ليرة للتعليم الثانوي، و1.76 تريليون ليرة للتعليم المهني والتقني. كما أفاد التحليل بزيادة تمويل الجامعة اللبنانية بنحو 2.72 تريليون ليرة.
إلا أن التحليل أشار إلى أن الزيادة في الإنفاق على التعليم الأساسي تتركز إلى حد كبير في المخصصات المرتبطة بالتعويضات. كما أظهر تراجعاً في مخصصات رواتب موظفي التعليم الأساسي المثبتين مقارنة بعام 2026، في حين بقيت مخصصات المعلمين المتعاقدين من دون تغيير.
وكانت رابطة أساتذة التعليم الأساسي الرسمي قد اعترضت على المسودة، معتبرة أنها لا تتضمن زيادات الرواتب التي يطالب بها المعلمون، ومحذّرة من استمرار تراجع قدرتهم الشرائية بشكل حاد. ودعت الرابطة إلى إجراء تعديلات كبيرة على الرواتب اعتباراً من كانون الثاني 2027.
ما بعد إبقاء المدارس مفتوحة
تتجاوز احتياجات قطاع التعليم في لبنان مسألة الرواتب والنفقات التشغيلية اليومية. فقد خلّفت سنوات الاضطرابات فجوات في التعلم، وأضراراً في البنية التحتية، وتحديات في الحفاظ على المعلمين المؤهلين.
ومع تضرر مئات المدارس خلال النزاع الأخير واستمرار نزوح آلاف الأطفال، تواجه السلطات التعليمية تحدياً إضافياً يتمثل في إعادة تأهيل الصفوف وضمان عدم خسارة الطلاب عاماً دراسياً آخر. وأفادت رويترز في مطلع أيلول بأن أكثر من 340 ألف شخص ظلوا نازحين في جنوب لبنان، فيما كانت نحو 80 مدرسة رسمية تُستخدم كمراكز إيواء.
ودعا البنك الدولي مراراً إلى اعتماد أجندة شاملة لإصلاح التعليم تركز على تحسين نتائج التعلم، وتعزيز الإنصاف والحوكمة، مشدداً على أن الاستثمار الموجّه ضروري لحماية رأس المال البشري في لبنان.
ومع انتقال موازنة 2027 عبر المراجعة الحكومية وصولاً إلى مجلس النواب، سيكون السؤال الأساسي بالنسبة إلى قطاع التعليم هو ما إذا كانت زيادة المخصصات ستتجاوز مجرد الحفاظ على سير العمليات الأساسية، لتساهم في تمويل تعويض خسائر التعلم، وإعادة تأهيل المدارس، وبناء جهاز تعليمي أكثر استدامة.