
نيودلهي – اعتمد قادة دول بريكس إعلان نيودلهي خلال القمة الـ18 لبريكس، التي عقدت في نيودلهي برئاسة الهند للتكتل لعام 2026، مجددين التزامهم بتعزيز التعددية، وتوسيع صوت دول الجنوب العالمي، ودفع التعاون في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والتنموية.
وعُقدت القمة تحت شعار "بناء القدرة على الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة"، تزامناً مع مرور عقدين على تعاون بريكس. وجمع الإعلان التزامات في مجالات الشؤون السياسية والأمنية، والتعاون الاقتصادي والمالي، والتبادلات الثقافية والتواصل بين الشعوب.
الدفع نحو إصلاح المؤسسات الدولية
شكّل إصلاح النظام الدولي ومنح الاقتصادات الناشئة والنامية تمثيلاً أكبر محوراً أساسياً في الإعلان.
ودعا بريكس إلى إصلاح شامل للأمم المتحدة، بما في ذلك مجلس الأمن، لجعله أكثر تمثيلاً واستجابة للواقع العالمي الراهن. كما جدّدت الصين وروسيا دعمهما لمنح البرازيل والهند دوراً أكبر في الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
ودعا التكتل أيضاً إلى إصلاح صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمؤسسات المالية الدولية الأخرى، معتبراً أن هياكل الحوكمة فيها يجب أن تعكس بشكل أفضل الوزن الاقتصادي المتنامي للدول الناشئة والنامية. كما جدّد بريكس دعمه لإصلاح منظمة التجارة العالمية وتعزيز نظام تجاري متعدد الأطراف قائم على القواعد.
وشدّد الإعلان كذلك على دور بريكس في تمثيل أولويات دول الجنوب العالمي في ظل التوترات الجيوسياسية، وعدم اليقين الاقتصادي، والتغير التكنولوجي، والحمائية، والتحديات المناخية.
التجارة والرسوم الجمركية والعملات المحلية
وفي ما يتعلق بالتجارة، أعرب بريكس عن قلقه إزاء تزايد الرسوم الجمركية الأحادية والتدابير غير الجمركية، محذراً من أن السياسات الحمائية قد تعطل سلاسل الإمداد العالمية وتعمّق الفوارق الاقتصادية.
وجدّد التكتل دعمه لنظام تجاري متعدد الأطراف منفتح وعادل وقابل للتنبؤ، مع معارضته للقيود التجارية التي يعتبرها غير متوافقة مع قواعد منظمة التجارة العالمية.
كما دفع الإعلان قدماً بالمناقشات الرامية إلى الحد من الاحتكاكات في المدفوعات العابرة للحدود. ويبحث أعضاء بريكس تعزيز قابلية التشغيل البيني بين أنظمة الدفع والمراسلة، إلى جانب استخدام العملات المحلية في تسوية المعاملات التجارية والاستثمارات، مع الإقرار بأن المقاربات ستختلف وفقاً للأولويات الوطنية لكل دولة.
إلا أن القمة لم تُنشئ عملة موحدة لبريكس، إذ بقي التركيز على آليات عملية للمدفوعات، والمعاملات بالعملات المحلية، والتعاون المالي.
مبادرات جديدة للاستثمار وتمويل التنمية
واصل بريكس العمل على مقترح منصة استثمار جديدة، مع دعم الأعضاء نهجاً تدريجياً وقائماً على التوافق ومدفوعاً من الدول الأعضاء.
كما دعم الإعلان مواصلة تطوير بنك التنمية الجديد (NDB)، بما في ذلك زيادة استخدام التمويل بالعملات المحلية، وتنويع مصادر التمويل، والاستثمار في مشاريع البنية التحتية والتنمية المستدامة في الاقتصادات الناشئة والنامية.
ورحّب التكتل بإنشاء بوابة بريكس-بنك التنمية الجديد للمعرفة، باعتبارها منصة لتبادل الخبرات التنموية والابتكارات في السياسات والدروس المستفادة من المشاريع التي يمولها البنك.
كما حظي اقتراح الهند إنشاء مختبر بريكس للمخاطر (BRICS Risk Lab) في مركز الخدمات المالية الدولية في مدينة غيفت بولاية غوجارات بدعم لمواصلة بحثه، بالتوازي مع العمل على تعزيز التعاون في مجالي التأمين وإعادة التأمين بين الدول الأعضاء.
الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي
احتل الذكاء الاصطناعي موقعاً بارزاً في الإعلان، حيث وصفه بريكس بأنه محرك مهم للنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة.
ودعا الأعضاء إلى مزيد من التعاون الدولي لجعل الذكاء الاصطناعي أكثر إتاحة، مع ضمان أن تكون الأنظمة آمنة ومأمونة وشاملة وموثوقة. كما شددوا على أهمية علوم الذكاء الاصطناعي والابتكار، وكفاءة استخدام الطاقة، والذكاء الاصطناعي الموثوق، والحاجة إلى معالجة المخاطر المحتملة، ولا سيما بالنسبة لدول الجنوب العالمي.
كما تقدم بريكس في مجال التعاون بشأن البنية التحتية الرقمية العامة، بما في ذلك مقترح لإنشاء مستودع لحلول البنية التحتية الرقمية العامة ومشاريع تجريبية تهدف إلى دعم التحول الرقمي.
وسلّط الإعلان الضوء على أهمية الأنظمة الرقمية القابلة للتشغيل البيني والقادرة على الصمود، والمهارات الرقمية وبناء القدرات، مع التشديد على حماية الأطفال وكبار السن والفئات الأكثر ضعفاً في البيئات الرقمية.
ورحّب التكتل كذلك بالتعاون في مجالات الصناعة 4.0، والتصنيع الرقمي المتقدم، والروبوتات، والتقنيات الكمّية، والبحث العلمي.
المناخ والطاقة
شكّل تغير المناخ والتنمية المستدامة محوراً رئيسياً آخر في الإعلان.
وجدّد بريكس دعمه لاتفاق باريس، ودعا إلى تعزيز العمل في مجالات خفض الانبعاثات والتكيف والخسائر والأضرار وتمويل المناخ للدول النامية.
كما شدد التكتل على الحاجة إلى انتقال منظم وعادل وشامل في مجال الطاقة، مع الاعتراف باستمرار دور الوقود الأحفوري في العديد من الاقتصادات الناشئة والنامية.
وعارض بريكس الإجراءات الأحادية وغير التمييزية التي قد تفرض ضغوطاً إضافية على الدول النامية، مع تشجيع التعاون في أسواق الكربون، وأبحاث المناخ، والبنية التحتية القادرة على الصمود.
وشمل الإعلان أيضاً التنوع البيولوجي، والغابات، والمياه، واستصلاح الأراضي، وإدارة النفايات، بما في ذلك التعاون بشأن أنماط الحياة المستدامة وكفاءة استخدام الموارد.
الشرق الأوسط وغزة
جاء الإعلان في وقت تشهد فيه المنطقة تصاعداً في النزاعات والتوترات.
وأعرب بريكس عن قلق عميق إزاء تصاعد التوترات في الشرق الأوسط/غرب آسيا، ودعا إلى أقصى درجات ضبط النفس، وحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، واحترام السيادة وسلامة الأراضي، وزيادة الاعتماد على الحوار والدبلوماسية.
كما شدد التكتل على أهمية الحفاظ على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وتدفقات الطاقة.
وفي ما يتعلق بغزة، دعا بريكس إلى تنفيذ قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، والحفاظ على وقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل كامل ومن دون عوائق. كما عارض التهجير القسري للفلسطينيين، وجدّد دعمه لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ولحصول فلسطين على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، في إطار حل الدولتين.
وأثار الإعلان أيضاً مخاوف بشأن الهجمات على البنية التحتية المدنية والمنشآت النووية المحمية، مشدداً على أهمية السلامة والأمن النوويين خلال النزاعات المسلحة.
أجندة تنموية أوسع
إلى جانب القضايا الجيوسياسية والمالية، وسّع بريكس نطاق التعاون ليشمل مجالات النقل، والتنمية الحضرية، والعلوم، والصحة، والتعليم، والعمل، والسياحة، والثقافة والشباب.
ويدعم الإعلان التعاون في مجال النقل المستدام والقادر على الصمود، بما في ذلك وقود الطيران المستدام، والتنقل الحضري، وسلاسل الإمداد اللوجستية. كما يشجع على التنمية الحضرية التي تضع الإنسان في صميمها، وتشمل الإسكان، والمياه والصرف الصحي، والتنقل، والخدمات الحضرية الأساسية.
وفي مجال العمل، شدد بريكس على الحاجة إلى أسواق عمل شاملة ومدعومة رقمياً، وأشار إلى مبادرة لإنشاء منصة رقمية دولية للعمل عن بُعد بين الدول الأعضاء.
كما جدّد التكتل التأكيد على دور الشباب في الابتكار والشمول والتنمية المستدامة، مع التخطيط للتعاون في مجالات التعليم، وريادة الأعمال، والعلوم والتكنولوجيا، والمشاركة الاجتماعية، والصحة، والبيئة، والتبادل الشبابي.
وسلّط بريكس الضوء أيضاً على المشاركة الاقتصادية للمرأة، بما في ذلك إتاحة التمويل والأسواق والتكنولوجيا والمهارات أمام الشركات التي تقودها النساء.
ماذا بعد؟
اختتمت القمة رئاسة الهند لبريكس لعام 2026. وأشاد الإعلان بالرئاسة الهندية وبرنامجها الذي شمل أكثر من 400 اجتماع وفعالية في 30 مدينة هندية.
وينتقل بريكس الآن إلى الرئاسة الصينية لعام 2027، حيث من المقرر أن تستضيف بكين القمة المقبلة للتكتل.
ويعكس إعلان نيودلهي توسع أجندة بريكس إلى ما هو أبعد من التعاون الاقتصادي، مع ترسيخ التكتل كمنصة للدول الناشئة والنامية للتنسيق بشأن الحوكمة العالمية، والتمويل، والتكنولوجيا، والعمل المناخي والتنمية المستدامة.
وفي الوقت نفسه، يبرز اتساع نطاق الإعلان التحدي الذي يواجه التكتل، والمتمثل في الحفاظ على التوافق بين أعضائه الذين لديهم مصالح سياسية واقتصادية مختلفة، وتحويل الالتزامات الواسعة إلى تعاون ملموس.