
بيروت - قد تكون تجربة السفر عبر المطارات مرهقة لبعض الأطفال ذوي التوحّد، بسبب الضوضاء، والإضاءة القوية، والازدحام وتعدّد المؤثرات الحسيّة. وفي ظلّ التوجّه نحو جعل المرافق العامة أكثر شمولًا، تبرز أهمية توفير مساحات تراعي احتياجات المسافرين المختلفة، وتتيح لهم الوصول إلى الخدمات واستخدامها بكرامة واستقلالية أكبر.
في هذا الإطار، يضمّ مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت غرفة حسّية مخصّصة للأطفال ذوي التوحّد والصعوبات الحسيّة، في مبادرة تسلّط الضوء على أهمية دمج مفهوم الشمولية في تصميم المرافق العامة وخدماتها.
تعكس هذه المبادرة أهمية دمج معايير سهولة الوصول والشمول في تصميم المرافق والخدمات العامة، بما يتماشى مع التزام لبنان باتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
تقع الغرفة في منطقة المغادرة، بالقرب من البوابة رقم 3، وتوفّر مساحة أكثر هدوءًا للأطفال قبل صعودهم إلى الطائرة.
غرفة حسّية لتخفيف التوتر قبل السفر
قد تؤدي الأصوات المرتفعة والحركة المستمرة والإضاءة القوية في المطارات إلى زيادة التوتر لدى بعض الأطفال ذوي التوحّد، ما يجعل التنقّل عبر هذه المساحات تجربة صعبة لهم ولعائلاتهم. وتتيح الغرفة الحسّية للأطفال الابتعاد مؤقتًا عن هذه المؤثرات في بيئة أكثر ملاءمة لاحتياجاتهم.
أُنشئت الغرفة عام 2018 بالتعاون مع الجمعية الوطنية للتوحّد (NAC)، وجُدّدت لاحقًا للحفاظ على مساحة مريحة وآمنة للأطفال. وتأتي هذه المبادرة في سياق الجهود الرامية إلى تحسين تجربة السفر للأشخاص ذوي الإعاقة، من خلال مراعاة احتياجاتهم الحسيّة إلى جانب متطلبات الوصول الجسدي.
ولا تقتصر أهمية هذه المساحات على توفير الراحة، بل تشمل أيضًا مساعدة العائلات على الاستعداد للسفر في ظروف أكثر ملاءمة، والحدّ من العوائق التي قد تحول دون استفادة الجميع من خدمات النقل.
الشمولية تبدأ من تصميم الخدمات
تتجاوز الشمولية توفير المنحدرات والمصاعد والممرات المهيّأة للأشخاص ذوي الإعاقة. فهي تشمل أيضًا فهم الاختلافات في الاحتياجات الحسيّة والتواصلية، وتطوير خدمات تستجيب لها.
ومن هذا المنطلق، تمثّل الغرفة الحسّية مثالًا على أهمية إدماج احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة في التخطيط للمرافق العامة، بدلًا من التعامل معها كاحتياجات ثانوية. كما تبرز أهمية التعاون بين المؤسسات العامة والجمعيات المتخصصة في تحديد الاحتياجات وتطوير الحلول المناسبة.
لكن تعزيز الشمولية يتطلّب أيضًا استمرارية هذه الخدمات، والتعريف بها، وضمان سهولة الوصول إليها، إلى جانب تدريب العاملين على التعامل مع احتياجات المسافرين المختلفة. ويشير موقع مطار بيروت الرسمي إلى مجموعة من التسهيلات المقدّمة للمسافرين ذوي الإعاقة أو الذين يحتاجون إلى مساعدة خاصة.
ما علاقة المبادرة بأهداف التنمية المستدامة؟
ترتبط هذه المبادرة بعدد من أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة ضمن خطة التنمية المستدامة لعام 2030، ولا سيّما الهدف العاشر المتعلق بالحدّ من أوجه عدم المساواة، والهدف الحادي عشر المتعلق بجعل المدن والمستوطنات البشرية شاملة وآمنة وقادرة على الصمود ومستدامة.
فالحدّ من العوائق التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة في استخدام المرافق العامة يساهم في تعزيز تكافؤ الفرص والمشاركة في الحياة الاجتماعية. كذلك، يتطلّب تطوير بنى تحتية مستدامة ألا يقتصر التخطيط على الجوانب المادية والتقنية، بل أن يراعي اختلاف احتياجات المستخدمين.
وتنسجم هذه المقاربة أيضًا مع المادة التاسعة من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي تؤكد أهمية إتاحة الوصول إلى البيئة المادية ووسائل النقل والمعلومات والخدمات العامة على قدم المساواة مع الآخرين.
من المبادرات الفردية إلى استراتيجية مستدامة
تشكّل الغرفة الحسّية خطوة مهمة نحو توفير تجربة سفر أكثر مراعاة لاحتياجات الأطفال ذوي التوحّد وعائلاتهم. إلا أن تعزيز أثرها يتطلّب إدماج الشمولية ضمن استراتيجية أوسع، تشمل تطوير الخدمات، وتوفير المعلومات للمسافرين، وقياس مدى استفادتهم منها، والتشاور مع الأشخاص ذوي الإعاقة وعائلاتهم عند وضع الخطط المستقبلية.
فالمرافق المستدامة ليست تلك التي تستمرّ في العمل فحسب، بل التي تضمن أيضًا أن تكون خدماتها متاحة ومناسبة لمختلف فئات المجتمع.
تسلّط هذه المبادرة الضوء على ضرورة دمج معايير سهولة الوصول والشمول في سياسات البنية التحتية العامة ومعايير التخطيط. وينبغي للسلطات العامة وضع متطلبات واضحة لإدراج المساحات المراعية للاحتياجات الحسية وغيرها من التجهيزات التي تعزّز سهولة الوصول ضمن تصميم المطارات وسائر المرافق العامة وتشغيلها، بحيث تصبح هذه التدابير جزءًا أساسيًا من تطوير البنية التحتية، بدلًا من أن تظل مبادرات منفردة.