لم يكن التعليم يوماً مسألة اختيار بين التكنولوجيا والإنسانية. بل كان التحدي الحقيقي دائماً هو كيفية الجمع بينهما بحكمة.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي، والواقع المعزز، والواقع الافتراضي إلى صفوفنا الدراسية، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان لهذه التقنيات مكان في التعليم، بل كيف يمكن توظيفها بمسؤولية لخدمة المتعلمين، والمعلمين، والمجتمع ككل.

إن مستقبل التعليم يقوم على توازن قوي: الذكاء الاصطناعي كمدرّس مساعد، والمعلمون كمرشدين يقودون التعلم، ويغرسون التعاطف، ويعززون التواصل الإنساني. هذا النموذج لا يستبدل المعلمين، بل يضخّم دورهم. وعندما يُصمَّم بعناية، يمكنه أن ينجح حتى في أكثر البيئات التعليمية تعقيداً وتنوعاً.

آفاق تكنولوجيا التعليم: رؤيتي للذكاء الاصطناعي والواقع المعزز والواقع الافتراضي في التعلم

عندما أفكر في التعليم اليوم، أراه واقفاً عند مفترق طرق مثير للاهتمام. فعلى مدى قرون، تشكّلت الصفوف الدراسية حول السبورة، والكتب المدرسية، والتعليم الوجاهي. لكن مع انخراطي في عالم تكنولوجيا التعليم، بات واضحاً أننا ندخل فصلاً جديداً — فصلاً يُعيد فيه الذكاء الاصطناعي، والواقع المعزز، والواقع الافتراضي تشكيل ليس فقط طرق التدريس، بل أيضاً كيفية اكتشاف الأطفال لمتعة التعلم.

إذا كان الجيلان Z وAlpha قد وُلدا كمواطنين رقميين في عالم مُرقمن بعمق، ألا يجدر بتعليمهم أن يعكس هذه الحقيقة؟

الذكاء الاصطناعي: شريك في العملية التعليمية

في وقت يخشى فيه الكثيرون أن يحلّ الذكاء الاصطناعي محل المعلمين، أرى الصورة بشكل مختلف. الذكاء الاصطناعي ليس هنا ليحلّ مكاننا، بل ليدعمنا. ففي صفوف دراسية حول العالم، تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي لتخصيص التعلم وفق احتياجات كل طالب. وأرى أن هذه الرؤية ذات أهمية خاصة في لبنان وسياقات مشابهة.

تخيّلوا إدخال المنهج الوطني إلى نظام تعلّم مدعوم بالذكاء الاصطناعي. يمكن لهذا «المعلم الرقمي» أن يقدّم المحتوى نفسه عبر مسارات تعلم مخصصة، تتكيف مع مستوى كل طالب، وسرعته، وأسلوبه في التعلم.

فالطفل الذي يحتاج إلى وقت إضافي لفهم مفهوم معيّن سيحصل على شروحات وتدريبات إضافية، بينما يمكن لآخر أن يتقدم دون شعور بالإحباط أو الملل، مع الحفاظ الكامل على التوافق مع المعايير التعليمية الرسمية.

في بلد مثل لبنان، حيث الصفوف الدراسية غالباً ما تكون غير متجانسة ويواجه المعلمون أعباءً كبيرة، يمكن لهذا النهج أن يصبح أداة فعّالة لتحقيق العدالة التعليمية، إذ يضمن عدم تخلّف أي طالب عن الركب، مع الحفاظ على سلامة المنهج.

أفكر كثيراً في الوقت الذي يقضيه المعلمون في التصحيح، والتخطيط، وإعداد التقارير، وأدرك مدى القوة الكامنة في أن يمنحهم الذكاء الاصطناعي ساعات إضافية للتركيز على ما هو جوهري: التوجيه، والإرشاد، وإلهام المتعلمين. لكنني أطرح على نفسي سؤالاً أساسياً: هل من الأفضل ترك أطفالنا وحدهم مع الذكاء الاصطناعي، بكل مخاطره؟ أم أن الأجدى هو تعليمهم كيفية استخدام التكنولوجيا بشكل مسؤول، وأخلاقي، ونقدي؟

نعم، هناك مخاطر حقيقية، من بينها عدم تكافؤ الوصول، والتحيّز، وسوء الاستخدام. ولهذا يجب أن تضع الحكومات والمؤسسات التعليمية العدالة، والشفافية، وتدريب المعلمين في صميم أي تبنٍّ للذكاء الاصطناعي. بالنسبة لي، الذكاء الاصطناعي هو شريك في القيادة — يعزّز التعليم الإنساني، ولا يستبدله.

الواقع المعزز: عندما تنبض المعرفة بالحياة

تخيّلوا طفلاً يوجّه جهازاً لوحياً نحو صورة ثابتة للنظام الشمسي، فتتحول فجأة إلى كواكب تدور في الزمن الحقيقي. هكذا يحوّل الواقع المعزز المفاهيم المجردة إلى تجارب بصرية وتفاعلية، تجعل التعلم أكثر تشويقاً وترسخاً.

لا أرى الواقع المعزز بديلاً عن التعليم التقليدي، بل امتداداً له. فهو يجسر الفجوة بين النظرية والواقع، ويساعد المتعلمين، ولا سيما الأصغر سناً، على فهم المفاهيم المعقدة بوضوح ومتعة. وللطلاب الذين يواجهون صعوبة في التفكير المجرد، يجعل الواقع المعزز التعلم ملموساً ولا يُنسى.

الواقع الافتراضي: فتح الأبواب أمام عوالم جديدة

لطالما تصورت المدارس كمساحات يتجاوز فيها التعلم الحدود المادية. ومع الواقع الافتراضي، تصبح هذه الرؤية واقعاً ملموساً. فمن خلال نظارة واحدة، يمكن للطلاب استكشاف الحضارات القديمة، أو الغوص في أعماق المحيطات، أو السفر داخل جسم الإنسان.

لكن ما أقدّره أكثر من مجرد نقل المحتوى هو قدرة الواقع الافتراضي على تنمية التعاطف وتوسيع الآفاق. فعندما «يسير» المتعلمون داخل مخيم للاجئين أو يشاهدون آثار التغير المناخي عن قرب، فهم لا يدرسون الحقائق فحسب، بل يعيشون القصص. فالتعليم، في أسمى صوره، لا يشكّل العقل فقط، بل القلب أيضاً.

وهنا أعود لطرح السؤال: إذا كان الأطفال ينشئون في عالم رقمي، ألا ينبغي للتعليم أن يعكس — ولو جزئياً — الواقع الذي يعيشونه؟

قوة الموارد المناسبة: رحلتي مع «أتعلّم»

من خلال رحلتي كمعلمة ورائدة أعمال، تعلمت أن التكنولوجيا يجب أن تُصمَّم للمتعلمين، لا للأجهزة فقط. هذا الإيمان قادني إلى إنشاء تطبيق «أتعلّم»، وهو تطبيق حائز على جوائز، يهدف إلى تعليم اللغة العربية بطريقة ممتعة وتفاعلية.

عندما أرى أطفال الروضة والصف الأول يستخدمون «أتعلّم»، أرى فضولاً وثقة ومتعة. لغة كانت تُعدّ صعبة في السابق تتحول إلى مغامرة تعليمية مرحة وذات معنى.

ومن خلال القصص التفاعلية، والأغاني، والوسائط البصرية، والألعاب:

  • يطوّر الأطفال مهارات القراءة والكتابة المبكرة دون حفظ آلي،

  • يتعلم الطلاب وفق وتيرتهم الخاصة، مما يعزز الاستقلالية والثقة بالنفس،

  • يلاحظ المعلمون والأهالي ارتفاعاً في الدافعية وتحسناً في ترسيخ المعرفة.

إن «أتعلّم» دليل على أن التكنولوجيا، عندما تُوجَّه برؤية تربوية واضحة، لا تشتت المتعلمين، بل تُلهمهم، وتحافظ في الوقت نفسه على الهوية الثقافية باستخدام أدوات عصرية.

مدرسة المستقبل

عندما أنظر إلى الأمام، لا أتخيل صفوفاً مكتظة بالتكنولوجيا لمجرد استخدامها. بل أتصور مدارس تكون فيها الابتكارات هادفة، ومستدامة، وشاملة، وإنسانية بعمق.

الذكاء الاصطناعي، والواقع المعزز، والواقع الافتراضي، والمنصات التعليمية المرتكزة على المتعلم ليست غايات بحد ذاتها، بل أدوات يمكن، إذا استُخدمت بحكمة، أن تعزز جودة التدريس، وتعمّق التعلم، وتفتح آفاقاً لمستقبل أكثر عدالة.

ويجب أن تستند هذه التحولات إلى ثلاثة مبادئ أساسية:

  • الإنسان أولاً: يظل المعلمون في قلب العملية التعليمية، ليس كمجرد ناقلي محتوى، بل كميسّرين للتعلم، ومصادر للتعاطف، وروابط اجتماعية تنمّي التفكير النقدي، والتعاون، والذكاء العاطفي.

  • العدالة دائماً: لا ينبغي أن يكون الوصول إلى التعلم المعزّز بالتكنولوجيا امتيازاً. يجب أن تتاح هذه الفرص لكل طفل، بغض النظر عن خلفيته أو ظروفه.

  • الشفافية والأخلاقيات: يستحق المتعلمون وأسرهم تواصلاً واضحاً وصريحاً حول كيفية استخدام التكنولوجيا، وإدارة البيانات، وتأثير هذه الأدوات على رحلة التعلم.

من الأدوات إلى التحول

الذكاء الاصطناعي، والواقع المعزز، والواقع الافتراضي، والمنصات المصممة بعناية مثل «أتعلّم» ليست مجرد أدوات، بل لغات جديدة للتعلم.

كانت السبورة يوماً ما ثورة تعليمية. أما اليوم، فتكمن الثورة الحقيقية في التكنولوجيا المرتكزة على الإنسان، التي تحترم المتعلمين، وتمكّن المعلمين، وتزوّد الأطفال بالمهارات والثقة اللازمة للتعامل مع عالم عالمي متغير.

وعندما تُوجَّه هذه التحولات بالرؤية والمسؤولية والرعاية، فإنها تتجاوز حدود الابتكار، لتصبح أخلاقية، وشاملة، ومفعمة بالفضول، والإبداع، والدهشة.

جينيفر عوّاد هي رائدة أعمال حاصلة على جوائز، وأستاذة جامعية، ومؤسِّسة منصة Ata3allam التعليمية العربية المتخصصة في تكنولوجيا التعليم