
يسلط اليوم العالمي لمنع التطرف العنيف، في 12 شباط، الضوء على أهمية بناء مجتمعات قوية قادرة على الحدّ من العنف من خلال تعزيز الأطر الاجتماعية والمدنية والمؤسساتية. وفي هذا العام، تواجه جهود الوقاية تحديّات جديدة، أبرزها التأثير المتصاعد للذكاء الاصطناعي.
استخدمت الحركات المتطرفة وسائل الاتصال الأكثر شيوعًا في عصرها بهدف التأثير على الجمهور. وما يميّز الذكاء الاصطناعي اليوم هو قدرته على تقليل الوقت والجهد اللازمين لإنتاج المحتوى المؤثر. فالمحتوى الذي كان يحتاج سابقًا إلى فرق كبيرة وموارد كثيرة يمكن الآن إنشاؤه وتعديله بسرعة، سواء كان عبر النصوص، الصور، الصوتيات، الفيديوهات، الترجمات، أو حتى نسخًا بأساليب مختلفة تستهدف جماهير محدّدة.
وتشير تقارير أمنيّة حديثة، مثل تقرير "TE-SAT 2025" الصادر عن يوروبول، إلى أن الذكاء الاصطناعي يسرّع إنتاج ونشر الدعاية المتطرفة وخطاب الكراهية، من خلال جعله أسرع وأرخص وأكثر انتشارًا. لكن الدرس الأهم هو أن الناس لا يتطرفون لمجرد مشاهدة محتوى معيّن. فالمحتوى قد يكون له تأثير، لكن غالبًا ما تلعب عوامل أخرى دورًا أكبر، مثل العزلة الاجتماعية، مشاكل الهوية، الشعور بالظلم، والعلاقات المباشرة مع الآخرين.
وتشير تقييمات يوروبول إلى أن الفجوة بين الشباب والمجتمع، والضغوط النفسية، والاعتماد الكبير على الإنترنت، تجعل بعض الأشخاص أكثر عرضة للتأثر بالرسائل المتطرفة. ومن جهة أخرى، قد يساعد الذكاء الاصطناعي على نشر هذا المحتوى بشكل أسرع، لكنه لا يخلق الأسباب التي تجعل الأشخاص يجدون الرسائل المتطرفة جذابة.
وفي دراسة بحثية نشرتها في كتاب "مسارات التطرف العنيف في لبنان"، أجريت مقابلات مع 156 شخصًا انضموا إلى جماعات متطرفة أو شاركوا بأعمال إرهابية، منهم 114 داخل سجني رومية وجزين، و42 خارج السجن بعد العفو. وأظهرت النتائج أن المحتوى الرقمي وحده لا يبرّر التطرف. فرغم أن 75% من المشاركين يستخدمون الإنترنت و91% منهم يستخدمونه يوميًا، إلا أن 4% فقط تم تجنيدهم عبر الإنترنت. وبقي التجنيد عملية اجتماعية ومحلية بالدرجة الأولى، تعتمد على الروابط الشخصية والعائلية. فقد تم تعريف 34% من المشاركين على الجماعة من خلال صديق أو أحد أفراد الأسرة، وكان لدى 60% منهم أحد أقاربهم عضوًا في الجماعة، مما يعكس مدى تأثير البيئة في تسهيل الانضمام إلى الجماعات المتطرفة.
واللافت في الدراسة هو مدى سرعة انخراط الأشخاص في الجماعات المتطرفة، إذ انضم 45% منهم بعد اللقاء الأول. وهذا يعني أن التهديدات المرتبطة بالهوية وفقدان الثقة يجعل بعض الأفراد يتخذون قرار الانضمام بسرعة بمجرد ظهور فرصة، ومن دون تردد.
ولذلك، يجب أن تكون جهود الوقاية حديثة ومنضبطة. فالاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى موجة تطرف جماعية مثل الاعتقاد بأنه وحده قادر على إيقاف التطرف، لا يفيد.
فالذكاء الاصطناعي قد يُساء استخدامه، لكنه يمكن أن يكون أداة داعمة للوقاية إذا تم تطبيقه ضمن إطار أخلاقي واستراتيجيات تحترم الحقوق وتراعي الحريّات. ومن الاتجاهات العملية الواعدة هي الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تحليل السرديات والبيئات الاجتماعية بدلاً من التركيز على الأفراد مباشرة. فالأدوات التي تتابع الخطاب العام على الإنترنت تساعد على الكشف المبكر عن تصاعد الخطابات المتطرفة أو استخدام لغة تقلّل من قيمة الإنسان. وتتيح هذه المؤشرات للمجتمع المدني والبلديات وصانعي السياسات التدخل المبكر من خلال رسائل توعوية ودعم فعّال للمجتمعات.
وتجربة لبنان نموذج مهم، فقد اعتمدت الحكومة اللبنانية قبل ثمان سنوات استراتيجية وطنية للوقاية من التطرف العنيف، ترتكز على نهج شامل يشمل الدولة والمجتمع. وتعترف الاستراتيجية بأن الوقاية لا تقتصر على العمل الأمني، بل تشمل الحوار ومنع النزاعات، الحكم الرشيد وسيادة القانون وحقوق الإنسان، التنمية المتوازنة، المساواة بين الجنسين، التعليم والمهارات، الفرص الاقتصادية، الاتصالات الاستراتيجية ووسائل التواصل الاجتماعي، وتمكين الشباب. وتهدف هذه الخطة إلى معالجة الظروف التي يستغلها المتطرفون، مثل التهميش وفقدان الثقة والهشاشة، وخلق مساحات للوقاية عبر المدارس والمجتمعات والمؤسسات.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تظل هذه الاستراتيجية صالحة، لكنها تتطلب اليوم تركيزًا أكبر على تعزيز قدرة المجتمع على مواجهة المعلومات المضلّلة والتحقق منها. وتشمل الوقاية، تطوير مهارات التحقق السريع من المعلومة، تدريب الأساتذة، واستعداد المؤسسات للاستجابة عند انتشار محتوى مضلّل يخلق توترات بين بيئات مختلفة.
وفي 12 شباط من هذا العام، التحدي اليوم ليس مواكبة التقدم التكنولوجي، بل التأكد من أن جهود الوقاية تتطور لتواكب الواقع. فالهدف هو ألا يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى زيادة الانقسامات أو التوتر في المجتمع، بل أن يساهم في تقوية العوامل التي تقلل من احتمال وقوع العنف، مثل تعزيز شعور الأفراد بالانتماء والكرامة، توفير الفرص لهم، ودعم المؤسسات الموثوقة التي تساهم في حماية المجتمع بأكمله.
الدكتورة روبينا أبو زينب، المديرة التنفيذية لمؤسسة الحريري للتنمية البشرية المستدامة، والمنسّقة الوطنية لمنع التطرّف العنيف في لبنان.

