يتميّز لبنان بتضاريس متنوّعة، من جبال ووديان إلى هضاب صخرية واسعة. وقد تشكّل تاريخه الجيولوجي عبر ملايين السنين نتيجة البحار القديمة، وحركة الصفائح الأرضية، وعمليات التعرية المستمرة.

قلّما نجد دولةً صغيرة تجمع هذا القدر من التنوّع ضمن مسافات قصيرة. ورغم أنّ التراث الطبيعي والثقافي في لبنان معروف على نطاق واسع، فإنّ ثرواته الجيولوجية لم تُستثمر بعد بالشكل الأمثل لجذب السيّاح.

وفي وقت يبحث فيه المسافرون حول العالم عن تجارب طبيعية وتعليمية صديقة للبيئة، يقف لبنان أمام فرص مهمّة، فهل تتحوّل السياحة الجيولوجية إلى فرصة ذهبية للبنان تخلق دخلًا مستدامًا، وتحمي طبيعته، وتنعش قراه؟

ما هي السياحة الجيولوجية؟

قد يظنّ البعض أنّ السياحة الجيولوجية مخصّصة للعلماء فقط، لكنها في الحقيقة متاحة للجميع. فهي تقوم على حماية الطبيعة والاحتفاء بها، وتربط بين الجيولوجيا والتنوّع البيولوجي والثقافة والحياة اليومية للناس.

جوهرها يكمن في سرد القصص، من خلال تعريف الزوّار عن كيفية تشكّل الأرض، وكيف تعايش الإنسان مع البيئة والطبيعة عبر الزمن، وعن أهمية هذه العلاقة بين الإنسان والطبيعة حتى أيّامنا هذه.

وتُظهر الخبرة الدولية أن السياحة الجيولوجية تقدّم فوائد حقيقية، أبرزها:

  • يقضي الزوار وقتًا أطول في المكان ويصرفون المزيد من الأموال على الأنشطة والخدمات المحلية، مما يعزز الفائدة الاقتصادية للسياحة.

  • تساعد على جذب الزوّار إلى مناطق وفصول مختلفة بدل بقائهم في أماكن محددة، مما يقلل الازدحام ويزيد فرص التنمية في مناطق متعددة.

  • تساهم في تعزيز التعليم، والحفاظ على البيئة، ودعم التنمية الريفية في الوقت نفسه.

ووفقًا لشبكة اليونسكو للجيوبارك العالمي، غالبًا ما تصبح مواقع السياحة الجيولوجية مصدرًا مهمًا للاقتصاد المحلي. فهي توفر فرصًا تعليمية للزوار، وتدعم المشاريع الصغيرة في المنطقة، وتموّل جهود حماية الطبيعة. وهذه المواقع لا تحل مكان السياحة التقليدية، بل تضيف بعدًا جديدًا وتجعل المقصد السياحي أكثر قوة وجاذبية.

كما تتميّز جغرافية لبنان بتنوع كبير يجعلها مناسبة جدًا للسياحة الجيولوجية. فعلى سبيل المثال، يمر مسار جبل لبنان، وهو مسار مشي ممتد على 470 كيلومترًا من عكار إلى مرجعيون، بتضاريس متنوعة، وأنظمة بيئية مختلفة، ومناطق ريفية جميلة.

مسارات الجيوبارك في جبيل: من الطرقات إلى التجربة التعليمية المميزة

في جبال منطقة جبيل، تم تطوير أجزاء من مسار جبل لبنان إلى مسارات جيولوجية تتضمّن طرق تعليمية تساعد الزوار على فهم جيولوجيا المنطقة، وشكل الأرض، والنظم البيئية، والزراعة التقليدية. وهذه المسارات حوّلت المشي البسيط إلى تجربة تعلم وتفكير واتصال بالمناظر الطبيعية.

سرد القصص وشرح المعنى

أهم درس يمكن للزوار تعلمه من مسارات جبيل هو التركيز على معنى المعالم وفهمها، وليس مجرد معرفتها بالاسم، على سبيل المثال:

  • التكوينات الحجرية تعكس تاريخ البحار القديمة.

  • الحفريات تُظهر لنا التغيرات المناخية التي شهدتها الأرض عبر العصور.

  • الهياكل الكارستية تبرز دورها في تخزين المياه وتغذية الينابيع.

كما يربط التفسير بين الجيولوجيا والنشاط البشري: المدرجات الحجرية، ومسارات الرعي الموسمية، وأنظمة جمع المياه، كلها أمثلة تُظهر تكيف المجتمعات مع بيئتها. وهذا يثري تجربة الزوار ويعزز احترامهم للتراث الطبيعي والثقافي.

المجتمعات المحلية والفوائد الاقتصادية

قوّة مسارات جبيل تكمن في مشاركة المجتمع المحلي بشكل مباشر: فالمرشدون السياحيون الذين يرافقون الزوار على المسارات، وأصحاب أماكن الإقامة في القرى، والسكان المحليون يشكلون جزءًا أساسيًا من التجربة. وما ينفقه الزوار على الإقامة والطعام والخدمات السياحية يدعم القرى الجبلية ويزيد دخل الأسر المحلية، كما يحد من الهجرة بحثًا عن فرص عمل.

وتشير الأبحاث إلى أن المجتمعات التي تستفيد اقتصاديًا من السياحة تكون أكثر دعمًا لجهود حماية البيئة. وفي جبيل، أصبح هذا الترابط بين الدخل وحماية البيئة واضحًا بشكل متزايد، مما يعزز السياحة المستدامة ويقوي الروابط بين الناس والطبيعة.

بنية تحتية صديقة للبيئة وحماية المناظر الطبيعية

تُظهر مسارات جبيل أن البنية التحتية السياحية لا يجب أن تكون كبيرة أو مضرة بالبيئة. فالمسارات تتبع التضاريس الطبيعية، واللوحات الإرشادية متواضعة، والمواد المستخدمة متناغمة مع الطبيعة. وكل ذلك يساعد على تقليل التعرية، وحماية النباتات، والحفاظ على جمال المناظر الطبيعية.

إلى ذلك، يُعد تدريب المرشدين المحليين خطوة مهمة. فهو لا يقتصر على خلق وظائف، بل يطوّر مهاراتهم ويعزز ثقتهم بنفسهم وخبراتهم. كما يشجع نقل المعرفة عبر الأجيال، ليصبح المرشدون سفراءً للحفاظ على البيئة والثقافة، قادرين على تبسيط المفاهيم العلمية وشرح التراث المحلي بطريقة مفهومة للزوار.

تحقيق التوازن بين تطوير السياحة والحفاظ على البيئة ورفاهية المجتمع

لتطوير السياحة الجيولوجية بشكل مسؤول، يحتاج لبنان إلى خطة مدروسة تشمل النقاط التالية:

  • تحديد المناطق وحجم الاستخدام: لحماية النباتات والحيوانات النادرة والميزات الجيولوجية.

  • الاستثمار في البحث والمتابعة وتقييم الفوائد الاقتصادية: لتقييم حركة الزوار وتأثير السياحة البيئية على الاقتصاد المحلي.

  • تعزيز الشراكات بين القطاعات: منها القطاع سياحي، البيئي والتعليمي، لتطوير برامج وسياسات مستدامة.

  • دعم المشاريع المحلية: تقديم قروض صغيرة، دعم فني، ومنصات تسويق، بالإضافة إلى تطوير أماكن الإقامة المحلية، خدمات الإرشاد السياحي، الحرف اليدوية، والتجارب الزراعية.

  • نشر التعليم البيئي: إنشاء مسارات جيولوجية، مراكز للزوّار، وتطوير تطبيقات تعليمية لتوعية الزوار والسكان المحليين بأهمية الحفاظ على البيئة.

وفي الختام، جبال لبنان ليست مجرد مناظر طبيعية، بل تشكّل ثروة استراتيجية للتنمية المستدامة. وتجربة مسارات جبيل تثبت أن السياحة الجيولوجية ممكنة وفعّالة، إذ توفّر حماية للبيئة، وتعزز الاقتصاد المحلي، وتمنح الزوّار تجارب غنية ومميّزة. ومع التخطيط الجيد، والشراكات القوية، والاستثمار في قدرات المجتمع المحلي، يمكن للبنان تحويل تراثه الجيولوجي إلى مصدر للتعلّم، والحماية، والازدهار.

الأساس موجود بالفعل، وما يحتاجه لبنان اليوم هو التصميم والرؤية لتحويل المبادرات الفردية إلى استراتيجية وطنية واضحة للسياحة الجيولوجية.

د. جاد أبو عرّاج، أستاذ جامعي مشارك، ومتخصص في مجالات التنمية