سومون يوسف، مسابقة الصور لمنظمة InterAction، 2016
سومون يوسف، مسابقة الصور لمنظمة InterAction، 2016

العالم – يُوصَف الذكاء الاصطناعي غالبًا بأنه محايد، لكنه في الواقع ليس كذلك. فهذه الأنظمة تبني استنتاجاتها على البيانات، والبيانات بدورها تعكس توازنات النفوذ في المجتمع. وهذه التوازنات هي التي تحدد ما يتم توثيقه. أما ما لا يتم تسجيله، فغالبًا لا يجد له مكانًا داخل النظام أصلًا.

ولم يعد الذكاء الاصطناعي يقتصر على إعادة تشكيل الاقتصادات فحسب، بل بات يؤثر أيضًا في تحديد من يُعتبر "موجودًا فعليًا" داخل الأنظمة الرقمية ومن قد يُستبعد منها. بمعنى آخر، أصبح الوصول إلى التنقّل، والتمويل، والمساعدات الإنسانية، والمنصات الرقمية، وحتى فرص العمل، يعتمد بشكل متزايد على وجود بيانات مهيكلة ومقبولة داخل الأنظمة، وعلى آليات التحقق الآلي من الهوية. وبهذا، لا يكتفي الذكاء الاصطناعي بتغيير الاقتصاد، بل يساهم أيضًا في تحديد من يستطيع الاستفادة من الخدمات ومن يبقى خارجها.

وبالنسبة للمجتمعات عديمة الجنسية والأقليات، يُعد هذا التحول عميقًا. فالمسألة ليست ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يشملهم، بل ما إذا كانوا موجودين داخل البنية الرقمية التي يتم بناؤها.

من يُرى داخل البيانات يُعترف به: ومن لا يُرى يُستبعد

تاريخيًا، كانت السلطة السياسية هي التي تحدد من يُعترف به. أما اليوم، فقد باتت البنية التحتية للبيانات هي التي تؤدي هذا الدور.

تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على بيانات منظَّمة: هويات مُتحقَّق منها، وسجلات تاريخية، وتصنيفات قانونية ثابتة. لكن ملايين الأشخاص حول العالم يعيشون خارج هذه الأطر؛ من مجتمعات عديمة الجنسية، وسكان مهجّرين، وأقليات إثنية غير معترف بها، إلى جماعات عابرة للحدود لا تنسجم هوياتها بسهولة مع قواعد بيانات وطنية موحّدة.

وعندما تُدرَّب أنظمة الذكاء الاصطناعي العالمية على بيانات مواطنين معترف بهم داخل دول مستقرة، فإنها تعيد إنتاج تلك الحدود. وتصبح حالة “الغياب الرقمي” جزءًا من بنية النظام، ليس لأن المهندسين يقصدون الإقصاء، بل لأن غياب البيانات يؤدي إلى غياب النتائج. وإذا لم يظهر الفرد بوضوح داخل مجموعة البيانات، فلن يُؤخذ في الاعتبار عند اتخاذ القرارات التي تنتجها هذه الأنظمة، مثل الوصول إلى الخدمات أو الفرص.

البنية العالمية للقوّة

تُطوَّر أبرز أنظمة الذكاء الاصطناعي المؤثرة اليوم من قبل دول كبرى وشركات متعددة الجنسيات، وهي أصبحت تؤثر بشكل متزايد في كيفية:

  • التحقق من الهوية،

  • وتقييم المخاطر،

  • والتحقق من الشرعية.

وهذه الأنظمة مبنية على فكرة أن كل الأفراد لديهم سجلات واضحة، ووثائق رسمية موحّدة، وحالات قانونية مستقرة يمكن التحقق منها بسهولة. لكن عند استخدام هذه الأنظمة على نطاق عالمي، تُطبَّق هذه الافتراضات نفسها على سياقات مختلفة لا تتوفر فيها هذه الشروط دائمًا، مثل حالات غياب الوثائق أو عدم اكتمال التسجيلات الرسمية أو عدم استقرار الوضع القانوني للأفراد. ونتيجة لذلك، قد لا تتمكن هذه الأنظمة من التعامل مع هذه الحالات بشكل كامل أو دقيق، لأنها تفترض وجود بيانات لا تكون متاحة دائمًا في الواقع.

 وبالنسبة للسكان المعترف بهم، قد يؤدي ذلك إلى كفاءة أعلى في الوصول إلى الخدمات واتخاذ القرارات. أما بالنسبة للمجتمعات عديمة الجنسية أو ذات الاعتراف الجزئي، فقد ينتج عنه احتكاك بنيوي يعكس صعوبة اندماجها داخل هذه الأنظمة.

وإذا كان الوصول إلى الخدمات يعتمد على وثائق صادرة عن الدولة، فما مصير من لا يمتلكها؟

وإذا كانت نماذج المخاطر الخوارزمية تعتمد على بيانات مالية أو إدارية تاريخية، فما مصير من شكّلت حياتهم ظروف النزوح أو الإقصاء؟

فالذكاء الاصطناعي لا يُنتج عدم المساواة بحدّ ذاته، لكنه قد يُحوّلها إلى معيار مُنظَّم ومُقنّن داخل أنظمته وآليات اتخاذ القرار.

الهوية الرقمية وسياسة الانتماء الجديدة

تشهد أنظمة الهوية الرقمية توسعًا متسارعًا. تُستخدم التسجيلات البيومترية في العمليات الإنسانية، وتدعم أدوات الفرز الآلي إجراءات الهجرة، كما تحدد أنظمة التحقق المعتمدة على البيانات الأهلية للحصول على المساعدات وفرص العمل والخدمات المالية.

وتَعِد هذه الأدوات بالكفاءة والشفافية، لكنها في الوقت نفسه تعيد تعريف مفهوم الانتماء، بحيث يصبح مرتبطًا بشكل متزايد بقابلية التحقق داخل الأنظمة الرقمية. وبهذا، تواجه المجتمعات التي تفتقر إلى سجلات مكتملة، أو التي تعيش أوضاعًا قانونية غير مستقرة أو وجودًا غير رسمي، تحديًا مختلفًا: ليس إقصاءً ناتجًا عن قرار مباشر، بل إقصاءً ناتجًا عن طريقة تصميم النظام نفسه.

وتميل أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى الوضوح والتصنيف الحاسم، بينما تتسم حالة انعدام الجنسية غالبًا بالغموض، ولا تكون هويات الأقليات ثابتة أو محددة بشكل صارم. في المقابل، تفضّل الأنظمة الرقمية تقسيم الأشخاص إلى فئات واضحة ومغلقة (مثل: مواطن أو غير مواطن، مؤهل أو غير مؤهل)، أي أنها تعتمد منطق "إما هذا أو ذاك" دون مساحات وسط. وهذا ما يخلق فجوة بينها وبين تعقيد الواقع الاجتماعي.

الفجوة الأخلاقية

تركّز النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي بشكل كبير على مسألة الانحياز: انحياز النوع الاجتماعي، والعرق، والدخل. وهذه نقاشات أساسية ومهمة، لكنها تفترض غالبًا أن جميع الفئات موجودة وممثَّلة أصلًا داخل النظام.

أما المجتمعات عديمة الجنسية وغير المعترف بها، فتواجه خطرًا أعمق: الغياب الكامل من النظام.

إذا أصبح الوصول إلى المنصات العالمية، والحصول على التمويل من خارج البلد أو إرسال الأموال إليه، وأسواق العمل الرقمية، والخدمات العامة الرقمية مرتبطًا بالاعتراف الرقمي المهيكل، فإن غياب البيانات يتحول إلى عائق تنموي. وفي العصر الرقمي، تصبح القدرة على الظهور داخل الأنظمة الرقمية مرادفًا للقدرة على الوصول إلى الفرص.

والمجتمعات غير المُسجَّلة بشكل منهجي تجد صعوبة في التأثير على التخطيط، أو الوصول إلى الأسواق، أو تشكيل السرديات السياسية.

وتصبح البيانات بمثابة لغة الشرعية، فيما تظل علاقات القوة هي التي تحدد من يُسمح له بإتقان هذه اللغة والتحدث بها داخل النظام.

إعادة تصميم أنظمة الاعتراف الرقمي 

هذا المسار ليس نهائيًا. إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمكّن المجتمعات المهمّشة إذا كان الإدماج خيارًا مقصودًا منذ البداية. فإعداد خرائط بيانات شاملة يمكن أن يكشف الفئات المحرومة، كما أن الهوية الرقمية المحمولة قد تساعد النازحين على الاستمرار في الوصول إلى الخدمات، فيما تتيح حوكمة البيانات التشاركية ضمان تمثيل أصوات الأقليات في تصميم الأنظمة.

لكن هذا الإدماج يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من البنية التأسيسية للنظام منذ لحظة تصميمه.

وعلى الجهات المسؤولة اختبار ما إذا كانت الفئات غير الموثّقة تُستبعد بشكل منهجي داخل هذه الأنظمة. كما يجب على صُنّاع السياسات تقييم أثر معايير التحقق الرقمي على الأفراد الذين يفتقرون إلى الاعتراف الرسمي. وفي السياق نفسه، يُفترض بالمؤسسات الدولية توسيع أطر حوكمة الذكاء الاصطناعي لتشمل قضايا انعدام الجنسية وفجوات الاعتراف بالهوية.

ولا تزال البنية العالمية للذكاء الاصطناعي قيد التشكيل، والمعايير ما زالت تتبلور، ونماذج البيانات ما زالت في طور التدريب، بينما تستمر القوة في تشكيل السرد مرة أخرى.

والسؤال ليس ما إذا كانت الأنظمة ستصبح أكثر ذكاءً، بل ما إذا كانت ستعترف فقط بمن يملكون وثائق رسمية، أم أنها ستتمكن من التكيّف مع تعقيد الهوية الإنسانية. وبالنسبة للمجتمعات عديمة الجنسية والأقليات، لا يرتبط مستقبل الذكاء الاصطناعي بالابتكار وحده، بل بإمكانية الحضور داخل هذه الأنظمة. وفي عالم يُدار بشكل متزايد عبر البيانات، يصبح الحضور أول خطوة نحو القوة والاعتراف.