
العالم – هناك عملية حسابية لم تتوقف يومًا عن العمل في ذهني منذ أن كنت في الثالثة عشرة من عمري.
قبل أن آكل، أقدّر كمية الكربوهيدرات. قبل أن أنام، أتحقق من مستوى السكر في الدم. قبل المشي، أو الدخول في جدال، أو خوض امتحان مُرهِق، أحسب كيف قد يتفاعل جسدي.
وعندما أستيقظ عند الساعة الثالثة فجرًا على تنبيه من جهاز قياس الغلوكوز، فأنا لا أتعامل فقط مع انخفاض في سكر الدم؛ بل أتعامل مع خوفٍ هادئ من أن جسدي غير قابل للتنبؤ، وأن أي لحظة من الإهمال—even لو كانت قصيرة—قد تحمل عواقب حقيقية.
هذه هي الحياة مع مرض السكري من النوع الأول (T1D). ولسنوات طويلة، ركّز الحديث حوله بشكل شبه كامل على الجسد: على الإنسولين، على الأرقام، وعلى الأهداف الطبية. بينما بقي البعد النفسي شبه غائب.
السكري من النوع الأول هو حالة مناعية ذاتية يتوقف فيها البنكرياس عن إنتاج الإنسولين. وعلى عكس النوع الثاني، لا يرتبط هذا المرض بسلوكيات معينة، ولا يوجد له علاج نهائي، ولا أيام راحة.
منذ لحظة التشخيص، يصبح الشخص المصاب به مسؤولًا طبيًا على مدار الساعة؛ يراقب مستويات السكر في الدم، يحسب جرعات الإنسولين، ويأخذ في الاعتبار الطعام، والنشاط البدني، والتوتر، والمرض، والنوم، بينما يحاول في الوقت نفسه أن يعيش حياته بشكل طبيعي.
ما لا يُذكر غالبًا هو العبء الذهني والعاطفي الناتج عن ذلك. في الأدبيات البحثية يُشار إلى هذا اليوم باسم “ضغوط السكري” (Diabetes Distress)، وهي حالة تختلف عن الاكتئاب السريري، وتتميز بقلق مستمر، وإرهاق عاطفي، وشعور بالإرهاق من متطلبات الرعاية الذاتية المستمرة. وتشير الدراسات إلى أن ما بين 30 و40% من المصابين بالسكري يعانون من مستويات مرتفعة من هذا الضغط، وتكون النسبة أعلى بكثير بين المراهقين والشباب.
بالنسبة للشباب، فإن التوقيت مهم جدًا. فمرحلة المراهقة أصلًا هي فترة من النمو النفسي المكثف: تكوين الهوية، والانتماء الاجتماعي، وبناء الاستقلالية.
وعندما يُضاف إلى ذلك العبء الذهني المستمر لإدارة السكري، تصبح النتيجة نوعًا من “الدوام المزدوج غير المرئي”: عمل تطوري يعيشه كل شاب، يتضاعف مع يقظة مزمنة يفرضها المرض.
ما لا تستطيع الأرقام أن تُظهره
أتذكر قبل نحو أسبوعين، وأنا أجلس في الصف خلال فترة الامتحانات، أنني كنت عاجزة عن التركيز، ليس لأنني لم أدرس، بل لأن مستوى السكر في دمي كان غير مستقر منذ ثلاثة أيام. كنت أعدّل الجرعات، أتجاوز الوجبات، وأستيقظ ليلًا. وعندما جلست للامتحان، كنت قد خضت بالفعل معركة صغيرة لا يراها أحد في تلك الغرفة.
هنا تفشل المؤشرات الطبية في نقل الصورة الكاملة. نتيجة HbA1c، وهي المقياس القياسي لمعدل السكر خلال ثلاثة أشهر، قد تُخبر الطبيب إن كانت الإدارة “ناجحة” أم لا.
لكنها لا تُخبره كم ليلة قضى فيها شاب مستيقظًا قلقًا، أو كم من المناسبات الاجتماعية يتجنبها بصمت لأن الأكل أمام الآخرين يعني الشرح والتبرير، أو كم هو مرهق أن يعيش الإنسان في جسد يتطلب هذا القدر من الانتباه المستمر.
إن الكلفة العاطفية لهذا اليقظة الدائمة حقيقية وتراكمية. وهي تظهر على شكل عصبية، وانسحاب اجتماعي، وشعور متزايد بالاستياء من الجسد نفسه—وهي مشاعر نادرًا ما يُسمح لها أن تُقال في السياقات الطبية، حيث ينصب التركيز غالبًا على “الالتزام” و”التحكم” بدلًا من الحياة الداخلية للمريض.
ما يحتاجه الشباب المصابون بالسكري من البالغين من حولهم
من موقعي كشخص يعيش مع السكري من النوع الأول، ومن خلال نقاشات مع آخرين يشاركونني التجربة، أود أن أقدّم ما يلي لكل من يتعامل معنا:
الاعتراف بالعبء الذهني: قبل أن تسأل شابًا لماذا أرقامه غير مستقرة، اسأله كيف حاله فعلًا. فإدارة السكري تتطلب جهدًا ذهنيًا يؤثر مباشرة على الأداء الدراسي، والتنظيم العاطفي، والتفاعل الاجتماعي.
فصل الشخص عن المرض: كثير من الشباب يربطون بين قراءات السكر السيئة وبين الفشل الشخصي. إعادة صياغة الإدارة كمهارة تُمارَس في ظروف غير مثالية يمكن أن يخفف من الشعور بالذنب واللوم الذاتي.
إتاحة مساحة للتناقض: من الممكن تمامًا أن يكون الشخص ملتزمًا بصحته وفي الوقت نفسه مرهقًا منها. السماح بالتعبير عن الإحباط أو الحزن أو الغضب تجاه المرض دون التسرع في تقديم حلول أو تهدئة سطحية أمر أساسي.
دمج الصحة النفسية في رعاية السكري: يجب أن يكون تقييم الحالة النفسية جزءًا أساسيًا من متابعة السكري، وليس إضافة ثانوية. فالمختصون الذين يفهمون العلاقة بين الأمراض المزمنة والإرهاق والقلق والاكتئاب يكونون أقدر على دعم الإنسان ككل.
العيش مع السكري من النوع الأول علّمني مبكرًا أن العقل والجسد ليسا نظامين منفصلين. فالجهد الذهني لإدارة الذات ليس أثرًا جانبيًا للمرض، بل جزءًا منه.
عندما نوسّع إطار فهمنا لرفاه الشباب ليشمل العمل الذهني والعاطفي غير المرئي للأمراض المزمنة، نبدأ برؤية الإنسان بشكل أكثر اكتمالًا. وهذه الرؤية الكاملة غالبًا ما تكون بداية الدعم الحقيقي.
نِما ضاهر
نبذة عن الكاتبة:
نِما ضاهر شابة تعيش مع مرض السكري من النوع الأول، تم تشخيصها خلال مرحلة مفصلية من حياتها. من خلال تجربتها الشخصية، تكتب عن العبء النفسي للأمراض المزمنة لدى الشباب، والعمل غير المرئي للمراقبة الذاتية المستمرة، والإرهاق العاطفي الذي لا تعكسه اللغة الطبية، والفجوة بين مظهر الإنسان وحالته الحقيقية. تكتب الشعر ومقالات تأملية قصيرة كوسيلة للتعبير عن ما تعجز الأرقام والجداول عن قوله. تمثل هذه المقالة مساهمتها في نقاش كانت تتمنى لو وصلها في وقت أبكر.