
لبنان - في السنوات الأخيرة، لم يعد انتقال الطالب من مدرسة إلى أخرى حدثًا استثنائيًا يرتبط فقط بتغيير مكان السكن أو قرار من الأهل، بل أصبح في لبنان واقعًا تفرضه أحيانًا تداعيات الحرب، وأحيانًا أخرى الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأقساط المدرسية.
خلف كل "طلب نقل" يوجد طفل أو مراهق يترك بيئة اعتاد عليها، وأصدقاء شكّلوا جزءًا من حياته اليومية، وتفاصيل صغيرة كانت تمنحه شعورًا بالأمان والاستقرار. لذلك، فإن التعامل مع انتقال الطالب باعتباره مجرد إجراء إداري يتجاهل أبعاده النفسية والتربوية، وقد يترك آثارًا عميقة على الطفل.
في علم النفس التربوي، تُعدّ المدرسة عنصرًا أساسيًا في بناء هوية الطفل والمراهق وشعوره بالانتماء. فالطالب لا يتعلم داخل الصف فقط، بل يكوّن علاقاته الاجتماعية، ويبني ثقته بنفسه، ويطوّر إحساسه بمكانته داخل المجتمع. وعندما يُجبر على ترك هذه البيئة بشكل مفاجئ، قد يدخل في حالة من القلق وعدم الاستقرار النفسي، خصوصًا إذا كان الانتقال نتيجة ظروف قاسية مثل النزوح أو الضائقة المالية.
وقد لا يتمكن العديد من الأطفال من التعبير مباشرة عن مشاعرهم، إلا أن ذلك يظهر من خلال سلوكيات مختلفة، مثل التراجع الدراسي، والانطواء، والعصبية، وفقدان الحافز، أو صعوبة الاندماج مع الآخرين.
أما المراهقون، فقد يعيشون هذا الانتقال باعتباره خسارة اجتماعية أيضًا. فالانتقال إلى مدرسة جديدة بسبب عدم القدرة على تسديد الأقساط قد يولّد لديهم شعورًا بالإحراج أو الانكسار، لا سيما عند الانتقال من بيئة تعليمية ذات إمكانيات أكبر إلى مدارس أقل تجهيزًا أو أكثر اكتظاظًا. في هذه الحالة، لا يشعر الطالب بأنه غيّر مدرسته فقط، بل قد يشعر بأنه فقد جزءًا من صورته أمام نفسه وأمام الآخرين. وهذه المشاعر لا يجب الاستهانة بها، لأنها تؤثر بشكل مباشر على أدائه الأكاديمي وصحته النفسية.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن في الانتقال بحد ذاته، بل في طريقة استقبال الطالب داخل المدرسة الجديدة. ففي العديد من المدارس، يدخل الطالب الجديد إلى الصف وكأنه "غريب" عليه أن يتأقلم بمفرده، من دون وجود برامج استقبال أو أنشطة دمج أو متابعة حقيقية لمشاعره والصعوبات التي يواجهها خلال هذه المرحلة.
وفي مدارس كثيرة، خصوصًا تلك التي تعاني ضغوطًا اقتصادية أو اكتظاظًا كبيرًا، يغيب المرشد النفسي التربوي أو اختصاصي الدعم النفسي والاجتماعي القادر على مرافقة الطالب ومساعدته على التكيف.
ولا يعني ذلك فقط الحاجة إلى "طبيب نفسي" داخل المدرسة، بل إلى ثقافة مدرسية متكاملة تدرك أن الصحة النفسية للطالب ليست رفاهية، بل جزء أساسي من العملية التعليمية. فالمطلوب ليس فقط رصد علامات الحزن أو القلق، بل خلق بيئة يشعر فيها الطالب الجديد بأنه مرحّب به، وأنه ليس دخيلًا على المكان. لأن من أخطر المشاعر التي قد يواجهها الطفل بعد انتقاله الإحساس بالعزلة أو بأنه غير مرغوب فيه.
من هنا، تصبح مسؤولية المدرسة أكبر من مجرد تأمين مقعد دراسي. فالمدرسة مطالبة بوضع خطط فعلية للدمج النفسي والاجتماعي، لا الاكتفاء باستقبال الطالب في الإدارة ثم تركه لمواجهة الصف وحده. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تنظيم أنشطة جماعية تساعد الطلاب القدامى على التعرف إلى الطالب الجديد، أو اعتماد نظام "الطالب المرافق" بحيث يساند أحد الطلاب القدامى زميله الجديد خلال أيامه الأولى.
كما يمكن للمدارس تنظيم ألعاب جماعية، وحلقات تعارف، وأنشطة تفاعلية تساعد على إزالة الحواجز النفسية وتخفيف شعور الغربة.
كذلك، من الضروري تدريب المعلمين على ملاحظة التغيرات النفسية والسلوكية لدى الطلاب الذين انتقلوا حديثًا. فالمعلم هو الشخص الأقرب إلى الطالب يوميًا، وقد تكون كلمة دعم بسيطة منه كفيلة بتغيير تجربة الطالب بالكامل. كما أن إشراك الأهل في عملية الدمج أمر أساسي، لأن بعض الطلاب قد يعودون إلى المنزل وهم يشعرون بالرفض أو الوحدة من دون أن يتمكنوا من التعبير عن ذلك بشكل مباشر.
المؤسف أن العديد من المدارس لا تزال تنظر إلى هذه القضية من زاوية أكاديمية فقط: هل اندمج الطالب دراسيًا؟ هل التزم بالدوام؟ بينما يبقى السؤال الأهم غالبًا غائبًا: هل يشعر هذا الطالب بالأمان؟ هل يشعر بأنه ينتمي إلى هذا المكان؟
فالطالب الذي يعيش ضغطًا نفسيًا مستمرًا لن يكون قادرًا على التعلم بشكل صحي مهما بذل من جهد.
في بلد يعيش أزمات متلاحقة مثل لبنان، أصبح الانتقال المدرسي جزءًا من واقع آلاف العائلات، لكن ذلك لا يعني أن يتحول إلى تجربة قاسية وصامتة يواجهها الطفل وحده. المطلوب من المدارس اليوم ليس فقط فتح أبوابها أمام الطلاب الجدد، بل توفير مساحة حقيقية للاحتواء والدعم والاندماج.
فالمدرسة الناجحة ليست فقط التي تحقق نتائج أكاديمية مرتفعة، بل التي تعرف كيف تحمي نفسية الطالب وتمنحه شعورًا بأنه لا يزال يمتلك مكانًا آمنًا في عالم يتغير من حوله بسرعة وقسوة.
نبذة عن الكاتبة:
حنان رمضان ناشطة تربوية، ومديرة مشروع في مبادرة Find A Teacher، وعضو في جمعية Save The Book. تعمل على دعم القطاع التربوي في لبنان من خلال مبادرات تُعنى بحقوق الطلاب والأساتذة والأهل والمدارس، انطلاقًا من إيمانها بأن العملية التعليمية تقوم على شراكة متكاملة بين هذه الأطراف الأربعة.
تهتم حنان بتطوير بيئات تعليمية أكثر دعمًا واحتواءً من خلال تنظيم ورش عمل وتدريبات تربوية، وتأمين فرص عمل للمعلمين، إضافة إلى دعم الطلاب نفسيًا وتعليميًا واجتماعيًا، لا سيما في ظل الأزمات والظروف التي تؤثر على الاستقرار التربوي في لبنان.