قمة "الصحة الواحدة" في مدينة ليون، فرنسا، يوم 7 نيسان 2026.
قمة "الصحة الواحدة" في مدينة ليون، فرنسا، يوم 7 نيسان 2026.

العالم- أطلقت منظمة الصحة العالمية حملة "معًا من أجل الصحة، ادعموا العلم"، داعيةً إلى تبنّي نهج عالمي قائم على ثقافة "الصحة الواحدة".

ما هو نهج "الصحة الواحدة"؟
"
الصحة الواحدة" هي مقاربة شاملة تعترف بالترابط الوثيق بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة. تدعو إلى العمل المشترك بين تخصصات وقطاعات متعددة لمعالجة التحديات الصحية المعقدة التي لا يمكن حلها بشكل منفصل.

لماذا يُعد هذا النهج مهمًا؟
في ظل تصاعد الأمراض المعدية الناشئة، وتفاقم مقاومة مضادات الميكروبات، وتدهور البيئة، باتت الأنظمة الصحية التقليدية غير كافية. فهذه التحديات عابرة للحدود وتتطلب حلولًا تعالج جذورها.
وقد سلّطت جائحة كوفيد-19 الضوء على ذلك، إذ أدى انتقال فيروس من الحيوانات إلى البشر إلى أزمة عالمية، أبرزت هشاشة الأنظمة الصحية غير المتكاملة.

أين يُطبّق نهج "الصحة الواحدة"؟

1- مقاومة مضادات الميكروبات
تحدث هذه الظاهرة عندما تطوّر الكائنات الدقيقة، مثل البكتيريا والفيروسات، قدرة على ابطال مفعول الأدوية المصمّمة للقضاء عليها. ويسهم الاستخدام المفرط أو سوء استخدام هذه المضادات - سواء في المستشفيات أو في القطاع الزراعي- في تسريع هذه الظاهرة.

يعزز نهج "الصحة الواحدة" على التعاون بين خبراء الرعاية الصحية والبيطريين والباحثين وصنّاع القرار بهدف الحد من هذه المشكلة عبر ترشيد استخدام المضادات الحيوية، وتحسين أنظمة الرصد، ودعم البحث العلمي المشترك.

2- صحة البيئة
يؤدي التدهور البيئي، الناتج عن التلوث والتغير المناخي وتدمير المواطن الطبيعية، إلى الإضرار بالنظم البيئية وصحة الإنسان والحيوان. كما يمكن أن يساهم في ظهور أمراض جديدة أو تغيير أنماط انتشارها.

ومن هنا، يشدد نهج "الصحة الواحدة" على أن حماية البيئة ليست خيارًا، بل ضرورة لحماية الصحة العامة، من خلال إدارة مستدامة للموارد والأراضي.

3- سلامة الغذاء والأمن الغذائي
تشكّل الأمراض المنقولة عبر الغذاء تهديداً عالميًا، إذ يمكن أن تنتقل مسببات الأمراض من الحيوانات أو الحياة البرية أو المياه الملوثة إلى السلسلة الغذائية، مما يؤثر على الإنسان والحيوان.

يساهم نهج "الصحة الواحدة" في تعزيز أنظمة الرصد والكشف المبكر والاستجابة، من خلال تنسيق الجهود بين القطاعات الزراعية والبيطرية والصحية، ما يساهم في الحد من مخاطر سلامة الغذاء ويضمن الوصول إلى غذاء آمن.

في السياق اللبناني

تتجلى أهمية هذا النهج في لبنان بشكل خاص، حيث يؤدي التداخل بين المناطق الزراعية والسكنية إلى تسهيل انتقال الأمراض والعوامل الممرِضة المقاومة للأدوية بين الحيوانات والبشر.

كما أن تلوث المياه، وضعف البنية التحتية للصرف الصحي، وسوء إدارة النفايات، كلها عوامل تزيد من مخاطر انتشار الأمراض ومقاومة المضادات الحيوية.

وقد أظهرت دراسات وجود بكتيريا مقاومة للأدوية في مياه الصرف الصحي للمستشفيات وفي قطاع الدواجن قبل ظهورها لدى المرضى، ما يؤكد أهمية أنظمة الرصد المتكاملة.

يوفر نهج "الصحة الواحدة" أدوات عملية للبنان، مثل إنشاء أنظمة مراقبة مشتركة، وتنسيق حملات التلقيح، وتعزيز التعاون بين القطاعات المختلفة للحد من انتقال الأمراض.

دعوة إلى التحرك

تتمثل الرسالة الجوهرية لنهج "الصحة الواحدة" في أن حماية صحة الإنسان لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن صحة الحيوان والبيئة. فالتحديات الصحية المعاصرة- من مقاومة المضادات الحيوية إلى الأوبئة وأزمات الغذاء- تتجاوز حدود القطاعات التقليدية.

وفي لبنان والعالم، يتطلب التقدم شراكة حقيقية بين الصحة العامة، والطب البيطري، والسياسات البيئية، والمجتمع.
فـ"الصحة الواحدة" ليست مجرد إطار مفاهيمي، بل هي اعتراف بأن صحتنا مسؤولية مشتركة.