خلال فترات التوتر السياسي والنزاعات، غالباً ما يصبح الخطاب العام أكثر حدّة، وتزداد اللغة استقطاباً وعاطفيةً وانقساماً.
خلال فترات التوتر السياسي والنزاعات، غالباً ما يصبح الخطاب العام أكثر حدّة، وتزداد اللغة استقطاباً وعاطفيةً وانقساماً.

لبنان – خلال فترات التوتر السياسي والنزاعات، غالباً ما يصبح الخطاب العام أكثر حدّة، وتزداد اللغة استقطاباً وعاطفيةً وانقساماً. في لبنان، حيث تتداخل المجتمعات بشكل وثيق، يمكن لهذه التحولات أن تؤثر بسرعة على التماسك الاجتماعي والاستقرار.

تعرّف الأمم المتحدة خطاب الكراهية بأنه “أي نوع من التواصل، سواء في الكلام أو الكتابة أو السلوك، يتضمن اعتداءً أو استخدام لغة تحقيرية أو تمييزية تجاه شخص أو مجموعة بناءً على هويتهم.” ويشمل ذلك سمات الهوية مثل الدين، والعرق، والجنسية، والجندر، وغيرها من الخصائص التعريفية.

لكن عملياً، لا يقتصر ضرر خطاب الكراهية على الكلمات نفسها، بل يمتد إلى النتائج التي يُنتجها، لا سيما عندما يسهم في التمييز أو التحريض على العداء أو العنف ضد مجموعة معينة.

وقالت المستشارة النفسية والأخصائية في العلاج النفسي الدكتورة كريستينا رياشي لـ«إنمائية» إن جذور خطاب الكراهية غالباً ما تبدأ من طريقة إدراك “الآخر”.

“عندما نرى الشخص الآخر أو الفريق الآخر أو البلد الآخر كعدو، وبمجرد أن نراه مختلفاً عنا، فإننا نميل إلى التعميم وتصنيفه بطريقة عدائية”، قالت.

وتشير إلى أن هذا التحول النفسي يبرز بشكل خاص في أوقات عدم الاستقرار والخوف. “من الطبيعي خلال الأزمات والحروب أن تكون ردود الفعل سلبية وأن يتم تصنيف الآخر بشكل سلبي”، أضافت.

وتابعت: “هذا طبيعي، لكنه لا يجعله صحيحاً. يبدأ الأمر دائماً بعقلية ‘نحن مقابل هم’، وهذا ما يؤدي إلى خطاب الكراهية وتضخيم العداء تجاه الآخر.”

أنماط التصعيد

في سياقات النزاع، غالباً ما تتطور اللغة وفق أنماط يمكن التنبؤ بها تؤدي إلى تعميق الانقسام.

قد يتم نزع الصفة الإنسانية عن مجموعات معينة، أو تصويرها كتهديد، أو اختزالها في صور نمطية. وهذا يضعف التعاطف ويجعل تبرير العداء أسهل. كما يتم غالباً تعميم أفعال الأفراد على مجتمعات بأكملها، ما يعزز اللوم الجماعي ويعمّق السرديات الطائفية.

خلال هذه الفترات، يمكن للمعلومات المضللة أن تسرّع التوتر أكثر. إذ تنتشر الادعاءات الخاطئة أو المضللة حول المجموعات بسرعة، ما يزيد من الخوف والغضب قبل التحقق من الحقائق.

ومع مرور الوقت، وعندما يتكرر هذا النوع من الخطاب من قبل شخصيات مؤثرة أو ينتشر على نطاق واسع عبر الإنترنت، فإنه قد يصبح مُطبَّعاً، ما يؤدي تدريجياً إلى زيادة تقبّل الخطاب المتطرف.

دائرة الأذى

تشير الدكتورة رياشي إلى أن التعرّض لخطاب الكراهية لا يبقى محصوراً عند المتلقي، بل قد يعيد إنتاج نفسه.

“عندما نتعرض للكراهية أو لخطاب الكراهية، نكون أكثر عرضة لنقل هذا الشعور إلى الآخرين أو إلى أطفالنا أو أقراننا”، قالت.

وتوضح أن هذه الديناميكية تساعد في فهم كيف يمكن للبيئات العدائية أن تعيد إنتاج نفسها ذاتياً، خصوصاً عندما تحل الاستجابات العاطفية محل التفكير النقدي.

انعكاسات طويلة الأمد

وبعيداً عن التوترات الآنية، تؤكد الدكتورة رياشي أهمية النظر إلى السياق على المدى الطويل. “إذا شاركنا في خطاب الكراهية، خصوصاً في أوقات الأزمات، علينا أن نتذكر أن هذه الأزمة ستنتهي يوماً ما، وأن الحياة ستعود إلى طبيعتها”، قالت.

وأضافت: “من المهم أن نسأل أنفسنا ما إذا كنا مستعدين للاحتفاظ بهذه المواقف لاحقاً، وما إذا كنا مستعدين لتحمّل تبعات خطاب الكراهية الذي نمارسه.”

في لبنان، حيث يعتمد الاستقرار بشكل كبير على التوازن المجتمعي، تكتسب هذه الديناميكيات وزناً خاصاً. كما يحظر القانون اللبناني التحريض على الفتنة الطائفية، خاصة عندما يشكّل الخطاب تهديداً للنظام العام.