
لبنان – أكثر من 48 ألف عامل مهاجر نازحون حالياً في مختلف أنحاء البلاد، وفق تقديرات المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، في ظل استمرار انعدام الأمن وحركات النزوح الواسعة التي تعيد تشكيل المشهد الإنساني في لبنان.
ورغم هذا العدد الكبير، لا تزال مجتمعات العمال المهاجرين غائبة إلى حدّ كبير عن أنظمة الاستجابة الرسمية، وغالباً ما تُترك لمواجهة النزوح بحدّ أدنى من الدعم المؤسسي.
وقال روبرت جميل، مسؤول التواصل الإقليمي في دائرة خدمة اللاجئين اليسوعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (JRS MENA)، لـ"إنمائية"، إن فئة النازحين من العمال المهاجرين شديدة التنوع، وتشمل عمالاً من إثيوبيا، وبنغلادش، وسريلانكا، والسودان، والفلبين، وسيراليون، والكاميرون، وغيرها من الدول.
وأضاف جميل: "إنهم قادمون من مناطق مختلفة تم إخلاؤها في لبنان، بما في ذلك الجنوب، النبطية، بنت جبيل، صور، وصيدا، إضافة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق مثل البسطة".
أزمة داخل الأزمة
على الرغم من هذا النزوح الواسع، يبقى الوصول إلى المأوى أحد أكثر الاحتياجات إلحاحاً وغير المُلبّاة. ووفقاً لجميل، "لا توجد مراكز إيواء حكومية تستقبل المهاجرين، ولم يتمكن سوى عدد قليل جداً منهم من الوصول إليها".
وبدلاً من ذلك، لا تزال تعمل أعداد محدودة من المراكز التي تديرها منظمات غير حكومية، بما في ذلك مركزان أو ثلاثة، من ضمنها مرافق تديرها دائرة خدمة اللاجئين اليسوعية (JRS).
وقد أدّت هذه القدرة المحدودة إلى دفع آلاف المهاجرين نحو ترتيبات سكنية غير رسمية وغالباً ما تكون هشة. وأشار جميل إلى أن أكثر من 2000 مهاجر يقيمون حالياً في مواقع جماعية غير رسمية معروفة، يدير العديد منها مبادرات مجتمعية يقودها المهاجرون أنفسهم.
وقد تحولت هذه الشبكات القاعدية إلى شرايين حياة أساسية، تتدخل لتوفير الغذاء والمساعدات الأساسية في ظل عجز الأنظمة الرسمية.
وقال جميل: "لقد تحركت مجموعات الجاليات المهاجرة بسرعة، وهي تطعم آلاف الأشخاص يومياً وتحاول تلبية احتياجات لا يغطيها الآخرون".
ورغم أن ظروف مراكز الإيواء التابعة للمنظمات غير الحكومية تميل إلى أن تكون أكثر استقراراً، إذ توفر الرعاية الطبية والغذاء والدعم النفسي والاجتماعي عبر آليات تنسيق إنساني، إلا أن هذه المساحات تبقى محدودة جداً من حيث العدد والنطاق.
وتتفاقم أزمة المأوى بسبب عوائق هيكلية تعرقل التوسع، من بينها أسواق الإيجارات الاستغلالية، والضغط الكبير الناتج عن النزوح الواسع للبنانيين، وأنماط الإقصاء من الخدمات. وتواجه المنظمات الإنسانية، مثل JRS، يومياً طلبات إيواء لا تستطيع تلبيتها.
نمط مهيمن من الإقصاء
إلى جانب النقص المادي، يواجه العمال المهاجرون شكلاً أعمق من التهميش: حالة من "اللا مرئية". وغالباً ما يتم استبعادهم من الخدمات المخصصة لـ"اللبنانيين فقط"، ما يؤدي إلى إقصائهم من آليات المساعدة الرسمية بشكل منهجي.
لكن هذه اللا مرئية ليست ذات أثر واحد؛ ففي بعض السياقات، قد يعني البقاء خارج الأنظمة الرسمية تجنب التعرض لأشكال أخرى من السيطرة أو تسييس المساعدات، ما يخلق تجربة معقدة وغير متكافئة من الحماية والمخاطر.
ومع ذلك، يبقى النمط الغالب هو الإقصاء، إذ يجد العديد من العمال المهاجرين أنفسهم في موقع "الهامش" ضمن السياسات والممارسات، رغم أنهم عاشوا وعملوا في لبنان لسنوات طويلة.
ويروي بعض الموجودين حالياً في مراكز الإيواء أنهم تُركوا خلفهم من قبل أصحاب العمل الذين غادروا البلاد، ليجدوا أنفسهم فجأة من دون مأوى أو دعم.
وقال جميل: "يتم التعامل معهم كفكرة ثانوية وكأنهم قابلون للاستغناء"، مشيراً إلى أن الهشاشة البنيوية تتفاقم بشكل كبير خلال الأزمات.
ومع ذلك، يؤكد جميل أن مجتمعات المهاجرين ليست متلقية سلبية للمساعدات، بل هي "منظمة بشكل كبير، مترابطة، وتعتمد على نفسها إلى حد كبير" في ظل غياب الدعم المؤسسي.
الفاعلون الإنسانيون في الخط الأمامي
وقد بذلت الجهات الإنسانية، بما فيها JRS، جهوداً لإدماج وجهات نظر العمال المهاجرين في تصميم البرامج، إلا أن هذا الإدماج لا يزال محدوداً وغير منتظم.
وتستمر الدعوات من أجل تعزيز الاعتراف الرسمي باحتياجات المهاجرين ضمن إطار الاستجابة الإنسانية الأوسع في لبنان.
وبالنسبة لجميل والعاملين في القطاع، تشمل الأولويات الأساسية: الإدماج الرسمي في خطط الاستجابة الوطنية، وتعزيز مناصرة قضايا المهاجرين من قبل الجاليات والجهات الداعمة، وزيادة مشاركة وزارة الشؤون الاجتماعية ووكالات الأمم المتحدة، إضافة إلى محاسبة أصحاب العمل الذين يستغلون العمال ويتخلون عنهم خلال الأزمات.
وإلى حين تحقيق ذلك، يبقى العمال المهاجرون في لبنان عالقين بين الحضور والتجاهل — أعدادهم كبيرة بما يكفي لتكون أساسية، لكنهم ما زالوا خارج أنظمة الحماية التي يُفترض أن تشملهم.


