
العالم - يوافق الخامس عشر من نيسان اليوم العالمي للرفاهية، الذي أقرّته الأمم المتحدة بهدف تعزيز مقاربة شاملة، متاحة، وبكلفة معقولة للصحة والرفاه، من خلال التعليم والتبادل الثقافي.
ومفهوم الرفاه بات اليوم يُقدَّم بصيغة عالمية مُسَوَّقة، تتركّز في كثير من الأحيان على الاستهلاك الفردي أكثر من العناية الجماعية.
في لبنان، لطالما اتخذ مفهوم الرفاه معنى مختلفاً، فلم يكن مرتبطاً باشتراك في نادٍ رياضي أو برحلات اليوغا، بل شكّل جزءاً من نسيج اجتماعي قائم على الترابط المجتمعي وروح الصمود والعطاء. وقبل أن يتحوّل إلى صيحة عالمية، كان الرفاه ممارسة يومية متجذّرة في تفاصيل الحياة اليومية.
الرفاه والانتماء
في العديد من المقاربات المعاصرة، يُنظر إلى الرفاه باعتباره مسؤولية فردية تُبنى عبر الانضباط والروتين والاختيارات الشخصية. أمّا في لبنان، فقد تشكّل الرفاه تاريخياً ضمن إطار اجتماعي، يقوم على قوة الروابط والعلاقات داخل المجتمع.
فالرفاه في لبنان لا يقتصر على الممارسات الفردية، بل يتجلّى في تفاصيل الحياة اليومية: على طاولة الطعام، داخل العائلات، في الأحياء، وفي المساحات المشتركة.
ويتأثر هذا الرفاه بعمق العلاقات الاجتماعية وبالشعور بالانتماء، حتى في ظل واقع قد لا تكون فيه هذه الشبكات مستقرة أو متاحة للجميع بصورة متساوية.
طاولة الطعام كمساحة للشفاء
في لبنان، لا يُنظر إلى الطعام بوصفه حاجة يومية فحسب، بل كعنصر أساسي في الثقافة والهوية.
فالمطبخ اللبناني، هو امتداد للنظام الغذائي المتوسطي، يعتمد على مكوّنات محلية وتقاليد متوارثة، ما يجعله غنياً بالخضار والبقوليات مثل الحمص والعدس والفول، إضافة إلى الدهون الصحية كزيت الزيتون البكر والأعشاب الطازجة.
كما يُشكّل الطعام ظاهرة اجتماعية وثقافية بامتياز. وتُعدّ “المازة اللبنانية”، وهي مجموعة أطباق تُقدَّم للمشاركة في وسط الطاولة، مساحة تعزّز ثقافة التشارك.
فالوجبات لا تُؤكل على عجل، بل تمتد فيها الأحاديث ويطول فيها الضحك، فيصبح الأكل ثانوياً أمام لحظة التواجد معًا.
كما يُعدّ الطبخ لغة حبّ ووسيلة للتعبير عن الترحيب والاحتضان: "أنت مرحّب بك هنا".
وتاريخياً، شكّل الطبخ مساحة للتواصل بين الأجيال داخل العائلة، ما عزّز الروابط الجماعية، وحوّل الطعام من مجرد وسيلة إلى مساحة للسكينة والاستمرارية والتنظيم العاطفي.
الطقوس والاستقرار
إلى جانب الطعام والعائلة، تعتمد الثقافة اللبنانية على طقوس يومية تمنح الحياة إيقاعاً ومعنى، من المناسبات الدينية الكبرى إلى تفاصيل بسيطة مثل قهوة الصباح أو زيارة الجيران مساءً، فهي لحظات هادئة تعيد التوازن وتدعو إلى التمهّل في عالم سريع الإيقاع.
وتكمن قوة هذه الطقوس في التكرار؛ في ممارسة الأشياء ذاتها، بالطريقة ذاتها، ومع الأشخاص أنفسهم. فهي تمنح شعوراً بالثبات، وتؤكد أن بعض عناصر الحياة تبقى رغم كل التحوّلات.
ماذا يحدث عندما تتسارع الحياة
اليوم، تتعايش هذه التقاليد مع واقع مختلف، إذ أعادت الضغوط الاقتصادية، وعدم الاستقرار، وتسارع وتيرة الحياة الحديثة صياغة أنماط العيش. وأصبح الوقت أضيق، والمسافات المادية والعاطفية أوسع. وبالنسبة لكثيرين، بات الحفاظ على هذه الطقوس يتطلّب جهداً مضاعفاً.
ومع ذلك، ففي لحظات الشدّة، يعود الناس إليها بشكل طبيعي: يطبخون في منازلهم أكثر، يزورون عائلاتهم بشكل متكرر، ويلجأون إلى المألوف، الأطعمة والأماكن والروتينات التي تمنحهم الطمأنينة.
وهنا تبرز حقيقة أساسية، إذ إن هذه الممارسات ليست مجرد حنين، بل أدوات حياة فاعلة تستمر لأنها تؤدي دورها بفعالية.
استعادة ما لم يُفقد
مع اتساع ثقافة الرفاه عالمياً، هناك ميل متزايد نحو النظر إلى الخارج واعتماد تعريفات جديدة لما يعنيه أن يكون الإنسان "بخير". لكن الحاجة الأعمق في لبنان تكمن في إعادة اكتشاف ما هو موجود أصلاً في حياتنا اليومية.
والاعتراف بأن الرفاه حاضر في طريقة اجتماع الناس، وطهيهم، واحتفالهم، ودعمهم لبعضهم البعض. فهو لا يقوم على الكمال، بل على الاستمرارية، وعلى الحضور المتكرر في حياة الآخرين، وعلى الطقوس التي تمنح الحياة معناها.
وفي هذه التقاليد تتجسّد أشكال من الصمود، لا تستند إلى الموضة، بل إلى العمق والاستمرارية.

