
بيروت – كل صباح، يتوافد نحو 220 طالبًا وطالبة تتراوح أعمارهم بين 12 و18 عامًا إلى صفوف مدرسة "السما" في مخيم شاتيلا للاجئين، ضمن تجربة تعليمية مختلفة. وقبل ستة أشهر فقط، كان نحو 90% منهم يواجهون صعوبات في القراءة والكتابة والعمليات الحسابية الأساسية، أما اليوم فأصبح معظمهم قادرين على اكتساب هذه المهارات بثقة أكبر.
وما يميّز هذه التجربة، إلى جانب أثرها في تحسين واقع آلاف الأطفال اللاجئين، هو أن المعلمين أنفسهم غالبًا ما يأتون من خلفيات مشابهة لتلامذتهم.
ومن بينهم ريان المحمود، لاجئة فلسطينية تبلغ من العمر 25 عامًا، وتشغل منصب منسقة المهارات الحياتية والمهنية في "السما". وتقول لـ"إنمائية": "قصتي مرتبطة بشكل وثيق بالطلاب الذين أعمل معهم، فأنا أفهم تمامًا معنى أن يكبر الإنسان وسط حالة من عدم اليقين بشأن التعليم والمستقبل".
وانضمت ريان إلى "السما" قبل ثلاث سنوات، وهي تساهم اليوم في صياغة أساليب تعلّم الطلاب وطريقة تفاعلهم مع الحياة داخل الصف وخارجه.
وتوضح: "صفوفنا مختلفة لأنها تنطلق من واقع الطلاب، فنحن لا نركّز فقط على الكتب، بل على الحياة. وكل ما نتعلمه مرتبط بما سيواجهه الطلاب خارج المدرسة".
وهذا النهج ضروري لطلاب يعانون غالبًا من انقطاع في التعليم، أو ضغوط اقتصادية، أو مسؤوليات عائلية. وداخل الصف، لا تظهر هذه التحديات فقط كفجوات تعليمية، بل أيضًا كتردد وضعف في المشاركة وشعور بعدم اليقين.
وتضيف ريان: "أحيانًا يكون التحدي الأكبر هو مساعدة الطلاب على الإيمان بأن لديهم مستقبلًا يستحق أن يعملوا من أجله".
التحوّل يبدأ من الثقة
مع الوقت، تبدأ التغييرات بالظهور، فالطلاب الذين كانوا أكثر انعزالًا يصبحون أكثر مشاركة، ويبدؤون بالتعبير عن آرائهم والانخراط في النقاش.
وتقول: "التغيير الذي أراه ليس على المستوى الأكاديمي فقط، بل على المستوى الشخصي أيضًا، إذ ينتقلون من الصمت وعدم اليقين إلى التعبير عن أنفسهم والإيمان بقدراتهم".
وتتغير أيضًا نظرتهم إلى أنفسهم، من أشخاص تحكمهم الظروف إلى أفراد قادرين على النمو والمساهمة في مجتمعاتهم.
وتشرح لـ"إنمائية": "عندما يبدأ الطلاب برؤية قيمتهم، يحدث التحول، إذ يتوقفون عن اعتبار أنفسهم أسرى لظروفهم، ويبدؤون برؤية أنهم قادرون على تقديم شيء والمساهمة بشكل فعّال في محيطهم".
والعديد منهم يعبّر لاحقًا عن رغبته في دعم آخرين يمرّون بتجارب مشابهة، ما يخلق دائرة من التعلم والتمكين داخل المجتمع.
تجربة شخصية ورسالة
وبالنسبة لريان، لا يقتصر هذا التحول على الجانب المهني فقط، بل يمتد إلى الجانب الشخصي أيضًا، إذ عاشت بدورها حالة من عدم اليقين بعد التخرج، ما جعلها تدرك أهمية الإرشاد والدعم.
وتقول: "عندما أعمل مع الطلاب اليوم، أشعر أنني أقدّم لهم ما كنت أحتاجه أنا أيضًا، شخص يفهمهم ويمنحهم الإيمان بقدراتهم".
نهج مختلف في تعليم اللاجئين
يستمر نموذج "السما" في التوسع كنهج بديل في تعليم اللاجئين، ويقوم على الشمول وإعطاء مساحة لصوت الطلاب وتجاربهم.
وبالنسبة لريان، يبقى الأثر الأهم واضحًا: مساعدة شباب شاتيلا على إدراك أن مستقبلهم ليس قدرًا مفروضًا عليهم، بل مسار يمكنهم هم أنفسهم بناؤه.




