
لبنان - نادرًا ما تتوقف الحرب عند ساحة المعركة. فهي تمتد عبر الموانئ، وخطوط الوقود، ومسارات الشحن، وأسواق الأسمدة، إلى أن تصل إلى حقل المزارع. هذه هي حقيقة لبنان اليوم.
في وقت سابق من هذا العام، بدت الأسواق الزراعية العالمية مستقرة نسبيًا. وكان البنك الدولي يتوقع انخفاضًا طفيفًا في أسعار المنتجات الزراعية في عام 2026 بنحو 2 في المئة. لكن اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط غيّر مسار المشهد. إذ يُتوقع الآن أن ترتفع أسعار الطاقة بنسبة 24 في المئة، وأسعار السلع عمومًا بنسبة 16 في المئة، والأسمدة بنسبة 31 في المئة، فيما قد تقفز أسعار اليوريا بنحو 60 في المئة.
وإذا استمر النزاع، قد يتراوح متوسط سعر نفط برنت بين 95 و115 دولارًا للبرميل، بينما قد يواجه ما يصل إلى 45 مليون شخص إضافي مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي في عام 2026.
أما في لبنان، فالتأثير مباشر، لأن الزراعة تقوم على سلاسل كلفة هشّة. فالمزارعون يحتاجون إلى الوقود لضخ المياه ونقل الإنتاج، والكهرباء لحفظ المحاصيل، والأسمدة لحماية الإنتاجية، والأعلاف لاستدامة الثروة الحيوانية، إضافة إلى طرق تجارية فاعلة لاستيراد المدخلات وتسويق المنتجات. وعليه، عندما ترتفع أسعار النفط، لا يبقى الأثر محصورًا في قطاع الطاقة، بل يتسلل بهدوء إلى أسعار الخضار، ومنتجات الألبان، والبيض، والخبز.
لكن أزمة لبنان تتجاوز الاقتصاد العالمي؛ فهي أزمة ذات بُعد جغرافي أيضًا.
وبحسب تقرير وزارة الزراعة الصادر في نيسان 2026، تضرر نحو 49,564 هكتارًا من الأراضي الزراعية جراء الاعتداءات، أي ما يعادل 22 في المئة من إجمالي الأراضي الصالحة للزراعة في لبنان.
وتتركز هذه الأضرار بشكل شبه كامل في الجنوب والنبطية: بساتين الزيتون، وحقول الحمضيات، ومزارع الموز، والكروم، والبيوت البلاستيكية—إما دُمّرت أو أصبحت غير قابلة للوصول. كما نزح نحو 76.7 في المئة من مزارعي الجنوب، فيما لا يستطيع قرابة 78 في المئة منهم الوصول إلى أراضيهم على الإطلاق.
هنا تكمن خطورة الأزمة. فالزراعة ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل هي مصدر دخل، وإمداد غذائي، واستمرارية عائلية، وارتباط موسمي بالأرض. وإذا لم تُعتنَ الأشجار، ولم تُغذَّ الحيوانات، ولم تُحصد المحاصيل، فإن الخسارة لا تنتهي مع توقف القتال.
ذلك لأن الزراعة تعتمد على رعاية مستمرة ودورات موسمية؛ حتى الانقطاع القصير قد يؤدي إلى تلف المحاصيل، ونفوق الثروة الحيوانية، وتعطّل الإنتاج المستقبلي. وهذا يعني أن المزارعين لا يخسرون موسماً واحداً فحسب، بل يفقدون الدخل والموارد والقدرة على التعافي لعدة مواسم بعد انتهاء القتال.
وتقدّر منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي والحكومة اللبنانية أن نحو 1.24 مليون شخص في لبنان قد يواجهون مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي بين نيسان وآب 2026.
الاحتياجات العاجلة واضحة: الوقود، والبذور، والأعلاف، ودعم الري، وضمان الوصول الآمن إلى الأراضي. لكن السؤال الأعمق على المدى الطويل هو: هل سيتعامل لبنان مع الزراعة باعتبارها بنية تحتية وطنية، تستحق تعزيز التعاونيات، والاستثمار في إدارة المياه، وتنويع المحاصيل، وتوفير حماية قانونية جدّية؟
لأن الحرب، عندما تصل إلى الحقول، لا تدمّر موسمًا زراعيًا فحسب، بل تهدد الأمن الغذائي للبلاد، ومرونتها الاقتصادية، واستمراريتها.

