
الشرق الاوسط - عند صدور تقارير دولية تُصنّف دول المنطقة من حيث الوصول إلى التعليم العالي، غالباً ما تغيب الدول العربية ذات الدخل المنخفض عن الجداول، لأن البيانات اللازمة لرصد الواقع غير متوفرة.
ما الذي تُظهره الفجوة؟
شهد الالتحاق بالتعليم العالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نمواً ملحوظاً، إذ يبلغ متوسط معدل الالتحاق الإجمالي بالتعليم العالي نحو 33%، مع تجاوز بعض الدول نسبة 50%. كما سجلت المنطقة زيادة بمقدار خمسة أضعاف في الالتحاق بالتعليم العالي منذ عام 1970، وحققت تقدماً ملحوظاً في تقليص الفجوة بين الجنسين، رغم استمرار التفاوتات المرتبطة بالثروة والنزاعات.
ومن بين الدول التي تتوفر عنها بيانات موثوقة، تراوحت نسب الالتحاق الإجمالي بالتعليم العالي في عام 2022 بين 77% في البحرين و32% في الأردن. أما الدول ذات الدخل المنخفض في المنطقة، فتقع دون هذا الحد الأدنى إلى حد كبير، وغالباً ما تبقى خارج نطاق القياس.
من هي الدول العربية منخفضة الدخل؟
بحسب تصنيف البنك الدولي، تشمل الدول العربية منخفضة الدخل أو المتأثرة بالهشاشة والنزاعات كلاً من اليمن، السودان، موريتانيا، جيبوتي، الصومال، وسوريا. وفي هذه الدول، يتمثل التحدي الأساسي في توفر البيانات نفسها، إذ غالباً ما تكون الأرقام مفقودة أو غير دقيقة أو غير مكتملة، نتيجة أنظمة إدارية تعمل تحت ضغط شديد.
تدهورت معدلات الالتحاق في اليمن، التي كانت منخفضة أصلاً قبل عام 2015، بشكل حاد منذ اندلاع الصراع. أما في السودان، فالبيانات متقطعة وغير مكتملة. وتواجه موريتانيا وجيبوتي تاريخياً ضعفاً في مسارات التعليم، حيث لم تبدأ معدلات الالتحاق بالتعليم الابتدائي بالتحسن بشكل ملحوظ إلا منذ مطلع الألفية.
تراجع مستويات التعلّم في المنطقة
لا تقتصر المشكلة على التعليم العالي فقط. فقد قُدّر معدل تراجع مستويات التعلّم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بـ60% قبل جائحة كورونا، وارتفع إلى 71% بعدها، وفقاً للبنك الدولي، ما يعني أن غالبية الأطفال في الدول منخفضة الدخل لا يكتسبون مهارات القراءة والكتابة الأساسية في نهاية التعليم الابتدائي، ما يجعل الالتحاق بالجامعة أمراً بعيد المنال لمعظمهم.
وتكون العوائق أشد على الفتيات من الأسر ذات الدخل المنخفض في المناطق الريفية، حيث تتفاقم الفجوات بين الجنسين في دول مثل جيبوتي والسودان واليمن.
لماذا تغيب البيانات؟
يرجع غياب البيانات التعليمية في هذه الدول إلى مجموعة من العوامل المتداخلة.
أبرزها النزاعات، إذ يؤدي إغلاق المدارس ونزوح الكوادر الإدارية إلى توقف عمليات جمع البيانات بشكل دوري، بما في ذلك تسجيل الطلاب وتتبع نسب الالتحاق ورفع التقارير إلى الوزارات. وفي اليمن والسودان، جعلت سنوات من النزاع المستمر جمع البيانات بشكل منهجي أمراً شبه مستحيل في مساحات واسعة من البلدين. وتشير منظمة اليونسكو إلى أن نحو 43% فقط من شركائها في الدول النامية يقدمون تقارير عن معظم مؤشرات التعليم الأساسية، وعدد أقل يقدّم بيانات حول جودة التعلم.
كما أن هناك طبقة أعمق ترتبط بالتسجيل المدني، إذ إن تتبع الالتحاق بالتعليم يتطلب معرفة دقيقة بعدد السكان وأعمارهم وأماكن تواجدهم. وفي الدول التي لا يتم فيها تسجيل الولادات بشكل منتظم، تصبح عملية بناء صورة دقيقة عن الواقع التعليمي أكثر تعقيداً منذ البداية.
وأخيراً، تلعب الاعتبارات السياسية دوراً في بعض الحالات، إذ قد يتم تجنّب نشر بيانات تُظهر ضعف الأداء أو ارتفاع معدلات التسرب لأسباب حساسة.
النتيجة: فخ تمويلي تنموي
تعتمد أجزاء كبيرة من المساعدات الدولية والاستثمارات في قطاع التعليم على نتائج قابلة للقياس، مثل مؤشرات التقدم، وتحسن نسب الالتحاق، وتقييمات التعلم. وتُصمم آليات التمويل بشكل متزايد على أساس الأدلة التي تُظهر ما الذي ينجح وأين.
وهذا يخلق ديناميكية تُعرف بـ”الفخ”، حيث إن الدول الأكثر حاجة للاستثمار في أنظمتها التعليمية هي نفسها الأقل قدرة على تقديم البيانات التي تجذب هذا الاستثمار. فبدون بيانات، يصعب تصميم الإصلاحات. وبدون إصلاحات، لا تتحسن النتائج. وبدون تحسن النتائج، تضعف فرص التمويل أكثر.
إن بناء أنظمة تعليمية أقوى في الدول العربية الأقل نمواً يبدأ بخطوة أساسية تتمثل في تطوير القدرة على تتبّع من يتعلم ومن يُحرم من فرص التعلم.




