
العالم - لم تعد أزمة المناخ تُناقش في قاعات المؤتمرات فقط، بل وصلت أيضًا إلى أروقة المحاكم.
فقد عزّز تصويت جديد في الأمم المتحدة رسالة قانونية تاريخية مفادها أن الدول تتحمّل مسؤوليات عندما تسهم أفعالها، أو حتى تأخرها في التحرّك، في التسبب بأضرار مناخية.
وفي 20 أيار/مايو 2026، صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة دعمًا للرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية عام 2025 بشأن تغيّر المناخ. وجاءت النتيجة واضحة: 141 دولة صوّتت لصالح القرار، و8 دول عارضته، فيما اختارت 28 دولة الامتناع عن التصويت. وشملت الدول التي صوّتت ضد القرار الولايات المتحدة، السعودية، روسيا، إيران، إسرائيل، اليمن، ليبيريا، وبيلاروسيا. أما بعض الاقتصادات الكبرى والدول المنتجة للوقود الأحفوري، مثل الهند وتركيا وقطر ونيجيريا، فقد فضّلت الحياد.
هذا ليس اتفاقًا مناخيًا جديدًا، ولا يعني أن الدول ستُقاضى فجأة اعتبارًا من الغد. لكنه يمنح ثقلًا عالميًا لرسالة واضحة: العمل المناخي ليس مجرد وعود تُطلق في القمم الدولية، بل هو أيضًا واجب قانوني.
وأكدت المحكمة أن على الدول التزامات بموجب القانون الدولي لحماية النظام المناخي من انبعاثات الغازات الدفيئة. وبمعنى أبسط، لا يمكن للحكومات أن تستمر في توقيع التعهدات المناخية فيما تتصرف وكأن شيئًا لم يتغيّر.
في السابق، كانت الدول المتضررة من الجفاف أو الفيضانات أو موجات الحر الشديدة تطرح القضية أساسًا في الاجتماعات المناخية وتطلب الدعم. أما اليوم، فأصبحت تمتلك لغة قانونية أقوى يمكن الاستناد إليها.
خذ العراق مثلًا، حيث يؤثر الجفاف وتراجع تدفقات المياه على المزارعين والمجتمعات الريفية. أو الأردن، الذي يُعد من أكثر دول العالم معاناة من شح المياه. يمكن لهذه الدول الآن الاستناد إلى محكمة العدل الدولية للمطالبة بتمويل مناخي أكبر، ودعم أقوى للتكيّف، أو بمحاسبة الدول الأكثر تلويثًا. وهذا لا يعني أنها ستكسب القضايا تلقائيًا، لكن طبيعة النقاش تغيّرت من “نحن بحاجة إلى الدعم” إلى “قد تكون هناك مسؤولية قانونية للتحرّك”.
لبنان ليس من كبار مسبّبي الانبعاثات عالميًا، لكنه يدفع بالفعل كلفة مناخية مرتفعة. وتشير التقديرات إلى أن تأثيرات تغيّر المناخ تكلّف لبنان نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا، وقد ترتفع الخسائر إلى 32% بحلول عام 2080 إذا بقيت الاستجابة ضعيفة. وفي عام 2023 وحده، تسبّب الإجهاد الحراري بخسائر في الإنتاجية بلغت نحو 1.3 مليار دولار، ما أثّر على أكثر من 110 آلاف وظيفة في قطاعات الزراعة والبناء والخدمات.
وبالنسبة للبنان، يعزّز هذا التطور المطالبة بالحصول على تمويل مناخي ودعم أكبر للتكيّف، خصوصًا في مجالات المياه والزراعة والغابات وحماية السواحل والصحة العامة وإدارة مخاطر الكوارث.
لكنّه يرفع أيضًا سقف التوقعات. فخطة لبنان المناخية الأخيرة “NDC 3.0” تتعهّد بخفض الانبعاثات بنسبة 22% من دون شروط، و33% بدعم دولي بحلول عام 2035، إلى جانب هدف توليد ما بين 25 و30% من الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة.
هذا التصويت لن يوقف الانبعاثات بين ليلة وضحاها، ولن يُجبر كبار الملوّثين على الدفع غدًا. وكما هو الحال مع كثير من القرارات الدولية، سيعتمد تأثيره الفعلي على كيفية استخدام الحكومات والمحاكم والمجتمعات والدول الأكثر هشاشة له.
ويبقى السؤال: هل سيتحوّل هذا القرار إلى تغيير حقيقي، أم سيُضاف فقط إلى قائمة طويلة من الوعود المناخية غير المنفّذة؟