
العالم – يُعدّ شهر حزيران شهر التوعية بالصحة النفسية للرجال، وهو مناسبة للتوقف عند الوصمة التي ما زالت تحيط بالرفاه النفسي والعاطفي للرجال. لا يتعلق الأمر بالسؤال عمّن يعاني أكثر. فالتحديات النفسية تطال جميع الناس، بغض النظر عن النوع الاجتماعي أو العمر أو الخلفية. لكن طريقة التعرف إلى المعاناة النفسية، والتعبير عنها، والتعامل معها، لا تكون دائماً واحدة لدى الجميع. وبالنسبة إلى الرجال، قد تكون الفجوة بين ما يشعرون به وما يقولونه ذات عواقب خطيرة.
ماذا تُظهر الأرقام؟
وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يموت أكثر من 720 ألف شخص سنوياً بسبب الانتحار. وعلى المستوى العالمي، غالباً ما يكون الرجال ممثَّلين بنسبة أعلى في وفيات الانتحار. وفي لبنان، سجّلت بيانات Embrace لعام 2023 نحو 168 حالة وفاة بسبب الانتحار، كان 81% منها من الذكور.
لا ينبغي استخدام هذه الأرقام لتبسيط قضية معقّدة. فالانتحار لا ينتج أبداً عن عامل واحد فقط، بل يتأثر بحالات نفسية، وضغوط عائلية، وعزلة، وضغوط مالية، وصدمات، وصعوبة الوصول إلى الرعاية، والوصمة، وغيرها من الظروف الاجتماعية.
لكن هذه الأرقام تطرح سؤالاً ملحاً: لماذا يصل هذا العدد من الرجال إلى مرحلة الأزمة قبل أن يصل إليهم الدعم؟
ضغط الظهور بمظهر من هو بخير
يكمن جزء من الإجابة في الطريقة التي يتعلم بها الأولاد والرجال فهم معنى القوة. فالتصورات التقليدية للرجولة غالباً ما تقدّر الاستقلالية، والسيطرة، والقدرة على التحمل، والقدرة على الإعالة. وهذه القيم ليست سلبية بحد ذاتها؛ فالمسؤولية والحماية وضبط النفس قد تكون قيماً مهمة، بل وقد تشكّل عوامل مساندة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه القيم إلى قواعد صارمة: لا تبكِ، لا تطلب المساعدة، لا تُظهر هشاشتك، ولا تكن عبئاً على أحد.
بالنسبة إلى كثير من الرجال، قد يبدو الاعتراف بالألم النفسي وكأنه فشل في أداء الدور المتوقع منهم. وقد يؤدي ذلك إلى وصمة ذاتية، أي الاعتقاد الداخلي بأن المعاناة تعني الضعف أو الكسل أو عدم كفاية الرجولة. كما يمكن أن تعزز العائلات وأماكن العمل ومجموعات الأصدقاء هذا الشعور، عندما يُمدح الرجال على قدرتهم على التحمل والمضي قدماً، لكن نادراً ما يُمنحون المساحة ليكونوا شيئاً آخر غير “بخير”.
ويظهر ذلك بوضوح في لبنان والمنطقة العربية، حيث تضع البنية العائلية الرجل غالباً في موقع رب الأسرة، ما يجعله مسؤولاً ليس فقط عن رفاهه الشخصي، بل أيضاً عن رفاه النساء والأطفال في العائلة.
أصبح النقاش حول هذه المسألة أكثر صعوبة لأن موضوع الرجولة بات مستقطباً بشدة. فبعض المساحات الرقمية تتعامل مع ألم الرجال من خلال الدعوة إلى نسخ أكثر صلابة وصرامة من الرجولة: مزيد من القسوة، ومشاعر أقل. في المقابل، تُقلّل مساحات أخرى من أهمية معاناة الرجال، وتتعامل معها على أنها مبالغ فيها أو لا تستحق الاهتمام. وعلى الرغم من تعارض هذين الموقفين، فإنهما يشتركان في الخلل نفسه: تحويل معاناة الرجال إلى موضوع جدل بدلاً من التعامل معها كواقع يحتاج إلى استجابة.
ما تحتاجه الصحة النفسية للرجال هو أمر أبسط وأصعب في الوقت نفسه: لغة صادقة للحديث عن الضغط، والوحدة، والخوف، لا تُجبر الرجال على إثبات ألمهم قبل أن يؤخذ على محمل الجد.
عندما لا تبدو المعاناة النفسية كحزن
تتمثل تحديات أخرى في أن المعاناة النفسية لا تظهر دائماً بالشكل الذي يتوقعه الناس. فكثيرون يتصورون الاكتئاب على أنه بكاء أو حزن أو انسحاب. وهذه قد تكون فعلاً علامات حقيقية. لكن لدى بعض الرجال، قد تظهر المعاناة أيضاً من خلال التهيّج، أو الغضب، أو السلوكيات الخطرة، أو تعاطي المواد، أو الإفراط في العمل، أو الخدر العاطفي، أو مشكلات النوم، أو الانعزال المفاجئ.
ولا يعني ذلك أن جميع الرجال يختبرون المعاناة النفسية أو يعبّرون عنها بالطريقة نفسها، كما لا يعني أن السلوكيات المؤذية للتكيف، مثل الغضب أو تعاطي المواد، يجب تجاهلها. بل يشير ذلك إلى أهمية الاعتراف بأن الضيق النفسي قد يظهر بطرق مختلفة بين الأفراد وضمن سياقات مختلفة. فعندما تُصمَّم أنظمة الصحة النفسية حول مجموعة ضيقة من المؤشرات، يصبح الأشخاص الذين تظهر أعراضهم بشكل مختلف أكثر عرضة لعدم التعرف إلى معاناتهم وعدم حصولهم على الدعم.
وبالمثل، تبرز حاجة واضحة إلى إدماج سياسات دعم الصحة النفسية بشكل أوسع في أماكن العمل.
ما الذي يمكن أن يتغير؟
إن توجيه الرجال نحو العلاج النفسي يعالج جزءاً من المشكلة، لكنه لا يعالج الظروف التي تجعل طلب المساعدة أمراً صعباً من الأساس.
تشير الأبحاث حول تعزيز الصحة النفسية للرجال إلى أن المكان الذي يُقدَّم فيه الدعم لا يقل أهمية عن الدعم نفسه. فالبيئات المألوفة والموثوقة، مثل أماكن العمل، والمجموعات المجتمعية، والنوادي الرياضية، والجامعات، والمبادرات التي يقودها الأقران، يمكن أن تخفف من عتبة الانخراط وطلب الدعم.
في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، توجد هذه المساحات غالباً بشكل غير رسمي: المقهى القريب، المتجر المحلي حيث يجتمع الرجال لشرب الشاي ولعب الورق، أو مباريات كرة القدم الأسبوعية بين الشباب. ومن المهم الاستثمار في هذه المساحات واستخدامها كفرص للحديث عن الرفاه النفسي.
كما أن طريقة الحوار مهمة أيضاً. فالمحادثات التي تتطور تدريجياً، وأحياناً جنباً إلى جنب بدلاً من المواجهة المباشرة وجهاً لوجه، قد تكون أقل إحراجاً وأقل شعوراً بالتعرّي النفسي. وتلعب اللغة دوراً أساسياً كذلك. فمصطلحات مثل التوتر، والضغط، والاحتراق النفسي، والمسؤولية، قد تكون أكثر قرباً لبعض الرجال من اللغة السريرية أو التشخيصية، ويمكن أن تشكّل مدخلاً أسهل إلى نقاشات أعمق حول الصحة النفسية والرفاه.
وتشير الأدلة إلى أن إعادة صياغة طلب المساعدة ضمن قيم مثل المسؤولية، والاعتمادية، والاهتمام بالآخرين، بدلاً من التركيز على الهشاشة وحدها، يمكن أن تحسّن مستوى الانخراط. وبالمثل، يكون الدعم الاجتماعي بين الرجال أكثر فاعلية عندما يصبح جزءاً طبيعياً من العلاقات اليومية، لا مجرد استجابة متأخرة عند الوصول إلى الأزمة.
في الوقت نفسه، يحتاج المتخصصون في الصحة النفسية إلى مزيد من التدريب حول الطريقة التي قد تؤثر بها المعايير المرتبطة بالنوع الاجتماعي على الأعراض، واللغة، وطلب المساعدة. كما ينبغي تخصيص تمويل أكبر لخدمات الصحة النفسية الموجهة للرجال، وهي مساحة لا تزال تعاني من نقص كبير في التمويل، سواء على المستوى العالمي أو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وخارج نطاق الممارسة السريرية الخاصة، هناك حاجة ملحّة إلى سياسات للصحة النفسية في أماكن العمل. فقد اعتمدت قطر والإمارات مؤخراً تشريعات تساعد على الحد من التمييز وتعزيز الكرامة والشمولية والسرية في بيئة العمل. وتفيد هذه التشريعات الموظفين من جميع الفئات، لأنها تدفع نحو تقليل الوصمة المرتبطة بالأمراض النفسية والضيق النفسي.
أما في لبنان، فقد أطلق البرنامج الوطني للصحة النفسية “المبادرة الوطنية للصحة النفسية في مكان العمل”، والتي تشمل ميثاقاً وطنياً للصحة النفسية في مكان العمل يتيح لأصحاب العمل الالتزام بحماية الصحة النفسية وتعزيزها في مؤسساتهم من خلال توقيع هذا الميثاق.
تحتاج الصحة النفسية للرجال إلى الاعتراف بها في العيادات، وأماكن العمل، والسياسات العامة. فأعراض مثل الغضب، والإرهاق، والخدر العاطفي، أو صعوبات النوم قد تعكس اكتئاباً أو قلقاً أو ضغطاً نفسياً شديداً. لذلك، ينبغي تصميم أنظمة الدعم بطريقة تمكّنها من التعرف إلى هذه العلامات مبكراً، والاستجابة لها من دون وصمة، وضمان وصول الرجال إلى الرعاية بطرق تراعي كيفية تعبيرهم عن معاناتهم.
فكرة أوسع عن القوة
ما نحتاجه ليس تعريفاً جديداً للرجولة، بل مساحة أوسع تسمح للرجال بأن يكونوا بشراً بالكامل. يمكن للرجل أن يكون موثوقاً به وأن يحتاج إلى الدعم في الوقت نفسه. يمكن أن يكون صامداً وأن يشعر بالخوف. يمكن أن يكون مقدّم رعاية وأن يكون هو نفسه بحاجة إلى الرعاية.
تكون فائدة شهر التوعية بالصحة النفسية للرجال أكبر عندما لا يبقى مجرد شعار، بل يتحول إلى مناسبة للانتباه أكثر: إلى الأخ الذي أصبح أكثر صمتاً، والأب الذي لا يشتكي أبداً، والصديق الذي يواجه كل صعوبة بالمزاح، والزميل الذي يبدو دائماً بخير. هذه الأنماط ليست دائماً واضحة، ولا يُنظر إليها دائماً على أنها علامات معاناة. لكنها كثيراً ما تكون كذلك.
إذا كنت في لبنان وتعيش ضيقاً نفسياً أو تراودك أفكار انتحارية، فالدعم متاح. يمكن التواصل مع الخط الوطني للدعم النفسي والوقاية من الانتحار على الرقم 1564، على مدار 24 ساعة في اليوم، سبعة أيام في الأسبوع.