
لبنان - في جنوب لبنان، تتعرض المعالم الثقافية التي شكّلت يوماً ما ركائز الحياة المجتمعية للتحول تدريجياً إلى أنقاض، ما يطرح تساؤلات ملحّة حول ما الذي يُفقد عندما يصبح التراث نفسه ضحية للصراع.
وقد أدّى هذا التدمير الممنهج للمواقع الدينية والأثرية إلى تعميق النقاش حول ما إذا كان التعافي بعد النزاع قادراً فعلاً على استعادة كل من الأماكن المادية والهويات المرتبطة بها.
تصف التقارير الواردة من القرى الحدودية أضراراً طالت الكنائس، والمساجد، والمقامات، والمواقع الأثرية، ومجمل البلدات التقليدية.
ويشير تقرير لـ Al-Monitor حول الأضرار التي لحقت بالكنائس والمساجد والمواقع الأثرية إلى تضرر السوق التاريخي في النبطية، والكنائس المارونية الملكية في يارون وديدرغيا، ومناطق حول قلعة بعلبك، بما في ذلك مبانٍ تعود إلى الحقبة العثمانية.
كما يُعد من أبرز الخسائر أيضاً قلعة الشقيف (بيوفورت) التي تعود إلى القرن الثاني عشر، وهي معلم صمد لقرون من النزاعات قبل أن تتعرض للقصف في أواخر أيار/مايو 2026 وتصبح لاحقاً تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية.
وفي بلدة شمع، تعرّضت القلعة الأثرية لأضرار كبيرة نتيجة التفجيرات والجرافات بين نيسان/أبريل وأيار/مايو 2026، ما ألحق أضراراً جسيمة بهيكلها، بما في ذلك عدة قباب.
خسارة التراث والهوية الجماعية
يتحدث رئيس جمعية "الجنوبيون الخضر" البيئية هشام يونس عن هذه الخسائر، واصفاً المواقع الثقافية والدينية بأنها “مستودعات للذاكرة والهوية والانتماء”. ويؤكد أن تدميرها يتجاوز بكثير الأضرار المادية.
“الأمر لا يقتصر على تدمير الأبنية؛ بل هو اعتداء على الأسس التاريخية والثقافية لمجتمعات بأكملها”، يقول يونس. “عبر محو المعالم التي تربط الناس بتاريخهم وتقاليدهم وشعورهم بالمكان، يتم تقويض الذاكرة الجماعية وإضعاف التماسك الاجتماعي.”
ويرى أن النتائج لا تقتصر على البعد الاجتماعي، بل تمتد إلى البعد النفسي أيضاً. فعندما تتعرض الكنائس والمساجد والأضرحة والمراكز التاريخية للتدمير أو المحو، ينقطع الاستمرار الذي يسمح للمجتمعات بتخيّل العودة والتعافي.
“الناس لا يعودون إلى المنازل فقط”، يضيف. “بل يعودون إلى مجتمعات تشكّلت عبر ذكريات مشتركة ومعالم ثقافية وشعور بالاستمرارية.”
ويشير إلى أن فقدان هذه الرموز يعمّق حالة النزوح ويضعف الأسس الرمزية للانتماء، كما يعيد تشكيل علاقة المجتمعات بجغرافيتها، ويقطع الرابط بين المكان والهوية الذي بُني عبر قرون.
التراث الثقافي كركيزة اقتصادية
إلى جانب البعد الهوياتي، يرتبط التراث الثقافي في جنوب لبنان ارتباطاً وثيقاً بالاقتصادات المحلية. فمدن تاريخية مثل صور، إلى جانب المواقع الأثرية والبلدات التقليدية والمعالم الدينية، تدعم منظومة واسعة من سبل العيش.
تقع صور، وهي من أقدم المدن المأهولة بشكل مستمر في العالم، اليوم على تخوم ضغوط عسكرية متصاعدة في جنوب لبنان.
وبتاريخ يمتد لأكثر من 5000 عام، لطالما كانت هذه المدينة البحرية القديمة مركزاً للتجارة والثقافة والتراث الأثري.
لكنها اليوم تقع على بعد 11 كلم من منطقة عازلة مقيدة أُنشئت ضمن سياسة “الخط الأصفر” الإسرائيلية، ما يثير مخاوف بشأن هشاشة محيطها الثقافي والمواقع التراثية المجاورة.
ويشمل ذلك مطاعم ومقاهي صغيرة، بيوت ضيافة، مزوّدي نقل، حرفيين، ومؤسسات عائلية تعتمد على السياحة الموسمية والداخلية.
“التراث الثقافي ليس مجرد أصل ثقافي، بل هو أصل اقتصادي أيضاً”، يوضح يونس. فالأضرار التي تطال المواقع التراثية لا تؤثر فقط على المعالم نفسها، بل تعطل سلاسل القيمة الاقتصادية المحلية بأكملها.
وهي تقوّض سبل العيش وتحرِم المجتمعات من فرص العمل والاستثمار والتعافي.
حدود وإمكانات السياحة الثقافية
غالباً ما تُطرح السياحة الثقافية كمسار محتمل للتعافي بعد الأزمات وخلق فرص العمل. وتحتوي مناطق جنوب لبنان على كثافة عالية من المواقع الأثرية والمدن التاريخية والمشاهد الثقافية التي يمكن، في ظروف مختلفة، أن تشكّل أساساً لاقتصاد سياحي قوي.
لكن يونس يحذّر من اعتبار السياحة حلاً فورياً.
“هناك إمكانات كبيرة للسياحة الثقافية في المساهمة بالتعافي وخلق فرص العمل، لكن من الضروري أن نكون واقعيين”، يقول. فالسياحة الثقافية في جنوب لبنان لم تُطوّر بشكل كامل من قبل، كما أن التدمير الأخير زاد من تأخير أي آفاق قصيرة الأمد.
قبل الحديث عن إعادة إطلاق السياحة، يرى أن الأولوية يجب أن تكون للتعافي نفسه: التوثيق، الحماية، الترميم، وإعادة التأهيل.
ولا يمكن أن تصبح السياحة الثقافية محركاً مستداماً للتنمية إلا بعد استقرار المواقع المتضررة والمجتمعات المحيطة بها.
تحديات الترميم والتعافي
يشرح يونس أن هناك عدة تحديات تعيق عمليات الترميم والتعافي في لبنان. من أبرزها نقص التوثيق، ما يجعل إعادة الإعمار الدقيقة في بعض الحالات صعبة أو مستحيلة. فغياب السجلات أو المسوحات أو الأرشيفات يؤدي إلى خسارة الأصالة التاريخية.
أما التحدي الثاني فهو حجم الدمار، إذ قد تتطلب المواقع المتضررة إعادة جمع آلاف العناصر المعمارية قبل البدء بعملية الترميم، وهي عملية بطيئة ومعقدة ومكلفة.
ويضاف إلى ذلك تحدٍ ثالث يتعلق بالقدرات، إذ يحتاج ترميم التراث إلى خبرات متخصصة وتمويل كبير والتزام مؤسساتي طويل الأمد.
“إنها عملية معقدة قد تستغرق سنوات وليس أشهراً”، يقول يونس.
فجوات التمويل وضغوط المؤسسات
حتى في حال توفر التمويل، تبقى مسألة الكفاية والاستدامة مطروحة. فحجم الأضرار لا يزال قيد التقييم، لكن المؤشرات الأولية تشير إلى أن الموارد المتاحة لن تكون كافية.
وقد أظهرت مراحل سابقة من التدمير في جنوب لبنان هذه الفجوات، حيث بقيت مواقع بحاجة إلى تدخل عاجل دون ترميم بسبب نقص الموارد.
واليوم، يزداد التحدي مع ضعف البلديات والمؤسسات المحلية نتيجة الأزمة الممتدة.
“التحدي ليس التمويل فقط، بل القدرات أيضاً”، يقول يونس. فبدون استثمار مستدام ودعم منسق طويل الأمد، قد تبقى العديد من المواقع التراثية عالقة لسنوات.
دور المجتمع ومستقبل السياحة الثقافية
يبقى المجتمع المحلي خط الدفاع الأول عن حماية التراث، حيث يقوم السكان بتوثيق الأضرار وحماية الذاكرة في ظل غياب الأنظمة الرسمية.
وتدعم منظمات المجتمع المدني، مثل “الجنوب الأخضر”، هذا الدور عبر المناصرة والتدريب والتنسيق، إضافة إلى ربط الفاعلين المحليين بالشركاء الوطنيين والدوليين.
ويرى يونس أن للقطاع الخاص دوراً محتملاً في الاستثمار في الترميم والضيافة والصناعات الثقافية، شرط أن يبقى هذا الاستثمار موجهاً نحو مصلحة المجتمع المحلي وليس تجارياً خارجياً.
نحو نموذج تعافٍ مستدام
في المستقبل، يبقى السؤال الأساسي هو كيفية بناء نموذج تعافٍ يدمج التراث الثقافي ضمن التنمية طويلة الأمد.
بالنسبة ليونس، تبدأ الإجابة بالحماية والتوثيق، يليها وضع استراتيجية وطنية تربط بين الحفاظ على التراث وتعافي المجتمعات والتنمية الاقتصادية.
ويتطلب ذلك استثمارات مستدامة، وتدريباً متخصصاً، وشراكات بين المؤسسات العامة والمجتمع المدني والأكاديميا والجهات الدولية.
ويُعد وضع خطة وطنية شاملة لحماية وإعادة تأهيل التراث، منسجمة مع الأطر الدولية مثل اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، واتفاقيات اليونسكو لحماية التراث، وأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، ولا سيما الهدف 11 المتعلق بالمدن والمجتمعات المستدامة، أمراً أساسياً لضمان حماية واستمرارية نقل التراث الثقافي في لبنان عبر الأجيال.
وفي النهاية، يرى يونس أن التراث الثقافي لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط من زاوية السياحة.
“يجب الحفاظ عليه لأنه يحمل ذاكرة وهوية وتاريخ المجتمعات”، يقول.
وفي جنوب لبنان، حيث أعاد الدمار تشكيل المشهدين الطبيعي والبشري، لا يقتصر التحدي اليوم على إعادة بناء ما فُقد، بل على ضمان أن يبقى لما تبقى من التراث معنى للأجيال القادمة.