
لبنان - لطالما شكّلت الجبال المكسوّة بالثلوج إحدى أبرز سمات القطاع السياحي في لبنان، حيث تستقطب المتزلجين والزوار من مختلف أنحاء المنطقة خلال فصل الشتاء.
إلا أن تأخر تساقط الثلوج وتراجع مدة الموسم الشتوي في السنوات الأخيرة أثارا مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الرياضات الشتوية في البلاد. فمنذ عام 1970، ارتفع متوسط درجة الحرارة السنوية في لبنان بمعدل 0.3 درجة مئوية كل عشر سنوات، وهو معدل يفوق المتوسط العالمي البالغ 0.15 درجة مئوية خلال الفترة نفسها.
ولا تقتصر هذه التغيرات على لبنان وحده. ففي مختلف أنحاء العالم، تؤدي درجات الحرارة المرتفعة وتراجع الغطاء الثلجي وتزايد فترات الدفء غير المعتادة إلى إعادة تشكيل قطاع السياحة الشتوية وتهديد استدامة وجهات التزلج على المدى الطويل.
وبفضل منتجعات معروفة مثل فاريا-مزار، والأرز، واللقلوق، والزعرور، يحتل لبنان مكانة مميزة في الشرق الأوسط كإحدى الوجهات القليلة في المنطقة التي تلعب فيها رياضة التزلج دوراً مهماً في النشاط الاقتصادي.
وقد شكّلت السياحة الشتوية لعقود ركناً أساسياً من قطاع السياحة والتنمية الريفية في لبنان، حيث كان موسم التزلج يمتد تقليدياً من ديسمبر حتى فبراير، ويوفر دعماً للفنادق والمطاعم ومدارس التزلج والعديد من المؤسسات المحلية في المناطق الجبلية.
إلا أن بعض المواسم شهدت تأخراً كبيراً في افتتاح المنتجعات، حيث لم تتمكن بعض مراكز التزلج من استقبال الزوار إلا في أواخر يناير، ما أدى إلى انخفاض أعداد السياح وتراجع النشاط الاقتصادي.
فعلى سبيل المثال، لم تفتتح منتجعات التزلج في لبنان أبوابها عام 2023 إلا في 10 فبراير بسبب عدم كفاية المتساقطات الثلجية.
كما أشار وليد بينو، رئيس لجنة الإعلام والتسويق في بلدية كفردبيان، إلى أن الفنادق تكون عادةً محجوزة بالكامل بحلول شهر نوفمبر، إلا أن نسب الإشغال في يناير 2024 لم تتجاوز 40% من طاقتها الاستيعابية.
التكلفة الاقتصادية لتراجع المواسم الشتوية
لا يقتصر تأثير ذلك على القطاع السياحي فحسب، بل يمتد ليشمل مئات العاملين والمؤسسات التي تعتمد على الإيرادات الشتوية. وتُعد السياحة إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد اللبناني، إذ تساهم بنحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي.
إلى جانب مساهمتها المباشرة في الاقتصاد، توفر السياحة إيرادات من العملات الأجنبية، وتدعم فرص العمل في مجموعة واسعة من القطاعات، كما تحفّز الطلب على خدمات النقل والضيافة والتجزئة وغيرها من الأنشطة المرتبطة بها.
ومع تراجع مدة المواسم الشتوية وتزايد عدم القدرة على التنبؤ بها، قد يؤدي انخفاض النشاط السياحي إلى تراجع الإيرادات الاقتصادية على المستويين المحلي والوطني، ما يزيد الضغوط على اقتصاد يعاني أساساً من تحديات مالية وهيكلية كبيرة.
تحدٍ عالمي يتجاوز لبنان
تعكس تجربة لبنان اتجاهاً عالمياً أوسع. فارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الهطول يساهمان بشكل مباشر في تراجع الغطاء الثلجي، لا سيما في منتجعات التزلج الواقعة على ارتفاعات منخفضة.
وبحسب الاتحاد الدولي للرياضة الجامعية (FISU)، بدأ انخفاض الغطاء الثلجي يؤثر بالفعل على مواسم التزلج في أوروبا، حيث تواجه المنتجعات المنخفضة الارتفاع صعوبات متزايدة في الحفاظ على مستويات كافية من الثلوج الطبيعية. وتُعد إيطاليا من أكثر الدول تأثراً، إذ فقدت 265 منتجعاً للتزلج نتيجة ارتفاع درجات الحرارة.
وفي مواجهة هذه التحديات، اتجهت العديد من الوجهات إلى استخدام الثلوج الاصطناعية كحل مؤقت. وخلال دورة الألعاب الجامعية الشتوية "تورينو 2025"، استُخدمت الثلوج الاصطناعية على نطاق واسع، ما أدى إلى تكاليف بيئية إضافية مرتبطة بزيادة استهلاك الطاقة والمياه.
كما خطط منظمو دورة الألعاب الأولمبية الشتوية 2026 في إيطاليا لإنتاج 3.1 مليون ياردة مكعبة من الثلوج الاصطناعية.
وتشير التوقعات المستقبلية إلى أن ما بين 45 و55 موقعاً فقط من أصل 93 موقعاً مؤهلاً حالياً لاستضافة الألعاب الشتوية قد يبقى مناسباً بحلول خمسينيات هذا القرن، في حين يُتوقع أن تتمكن أربع مدن فقط من استضافة الألعاب من دون الاعتماد على الثلوج الاصطناعية.
وما أصبح واضحاً بشكل متزايد هو أن تغير المناخ يعيد تشكيل السياحة الشتوية حول العالم، وسيكون على لبنان التكيف مع هذه الظروف المتغيرة للحفاظ على القيمة الاقتصادية والبيئية لوجهاته الجبلية.
من الثلوج إلى الأمن المائي
لا تقتصر تداعيات تراجع تساقط الثلوج على الرياضات الشتوية فقط. فخبراء المناخ يحذرون من أن انخفاض الغطاء الثلجي يهدد أيضاً الأمن المائي في لبنان، إذ تعمل الثلوج المتراكمة في الجبال كمخزون طبيعي يغذي الأنهار والينابيع والمياه الجوفية خلال أشهر الصيف الجافة.
وبالتالي، فإن تراجع الاحتياطات الثلجية قد يؤثر على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي وغيرها من القطاعات المعتمدة على المياه من خلال تقليص الموارد المائية العذبة المتاحة.
ومن هذا المنطلق، ترتبط التحديات التي تواجه الرياضات الشتوية ارتباطاً وثيقاً بقضايا أوسع تشمل الجفاف وشح المياه وتدهور الأراضي.
سياحة قادرة على التكيف مع المناخ
بالنسبة إلى لبنان، يمكن أن تبدأ جهود التكيف المناخي بإعادة النظر في دور منتجعات التزلج.
فبدلاً من الاعتماد حصراً على الثلوج، يمكن لمنتجعات مثل فاريا-مزار والأرز واللقلوق والزعرور أن تتحول إلى وجهات جبلية تستقطب الزوار على مدار العام. فقيمتها لا تقتصر على منحدرات التزلج، بل تشمل أيضاً المسارات الطبيعية والغابات والمناظر الخلابة والمأكولات المحلية والقرى والتجارب الخارجية المتنوعة.
ويتوافق هذا التوجه مع المساهمات المحددة وطنياً (NDC 3.0) للبنان، التي تعتبر السياحة إحدى أولويات التكيف مع تغير المناخ وتشجع على تطوير السياحة الريفية والجبلية والبيئية والطبيعية بشكل أكثر استدامة.
وعملياً، يمكن أن يشمل ذلك توسيع أنشطة المشي الجبلي وركوب الدراجات والمنتجعات الصحية والتجارب الغذائية والمخيمات الطبيعية والأنشطة الثقافية خلال فصلي الربيع والصيف والخريف.
ما بعد موسم التزلج
مع ازدياد دفء الشتاء وتراجع القدرة على التنبؤ بظروفه، تواجه المناطق الجبلية في لبنان ضغوطاً متزايدة للتكيف مع الواقع الجديد، مع الحفاظ في الوقت نفسه على النظم البيئية التي تدعم السياحة والموارد المائية الأساسية.
وسيعتمد مستقبل الجبال اللبنانية، سواء بقيت وجهة للرياضات الشتوية أو أصبحت ضحية أخرى للاحترار المناخي، على القرارات التي تُتخذ اليوم.
فحماية النظم البيئية الجبلية، والحفاظ على المجتمعات المحلية وسبل عيشها، والاستثمار في إجراءات التكيف المناخي، وتنويع الأنشطة السياحية لم تعد خيارات إضافية، بل أصبحت ضرورة تنموية للحفاظ على القيمة الاقتصادية والإرث البيئي للمرتفعات اللبنانية.
وفي اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف، يسلط تغير الموسم الثلجي في لبنان الضوء على تحدٍ تنموي أوسع يتمثل في تأثيرات تغير المناخ على النظم البيئية وسبل العيش والموارد المائية المترابطة.
ويتطلب التصدي لهذه التحديات تعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات، والالتزام المستدام من جميع الجهات المعنية، واعتماد تخطيط استشرافي يعزز القدرة على الصمود ويدعم الاستدامة على المدى الطويل.