
العالم - بعد أكثر من 100 يوم من الاضطراب الأشد الذي سُجّل في سلاسل إمدادات الطاقة العالمية، بدأت أسواق النفط والغاز تستعيد استقرارها عقب اتفاق سلام مفصلي بين الولايات المتحدة وإيران، من المقرر أن يعيد فتح مضيق هرمز أمام حركة الشحن التجاري.
انخفضت أسعار خام برنت بشكل حاد إلى نحو 82 دولاراً للبرميل بعد أن أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الاتفاق سيسمح لناقلات النفط والغاز، التي تحمل ملايين البراميل، باستئناف المرور عبر المضيق.
كما تراجعت أسعار الغاز بالجملة بنحو 6%، ما يعكس ارتياحاً فورياً في أسواق الطاقة العالمية.
ورغم أن الأسعار ما تزال أعلى بكثير من متوسط العام الماضي البالغ 69 دولاراً للبرميل، فإنها انخفضت بشكل كبير من مستوى 126 دولاراً للبرميل.
وقد خفّ هذا التراجع من المخاوف بأن الاقتصاد العالمي قد يواجه أسوأ السيناريوهات التي حذّر منها المحللون خلال الأسابيع الأولى من الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، حين توقّعوا حدوث نقص حاد في الإمدادات وارتفاعاً في التضخم.
ويأتي هذا الاتفاق قبل أسابيع من دخول سوق النفط فيما كان يُتوقع أن يُعرف بـ”المنطقة الحمراء”، وهي فترة يتزامن فيها ارتفاع الطلب الموسمي خلال الصيف مع انخفاض مخزونات الخام.
ومن المتوقع أن يؤدي إعادة فتح المضيق إلى استعادة تدريجية لسلاسل الإمداد العالمية، رغم أن العودة الكاملة إلى الوضع الطبيعي قد تستغرق أشهراً.
وبالرغم من الارتياح في الأسواق، لا تزال حالة من عدم اليقين قائمة بشأن الاتفاق وسرعة إعادة فتح طرق الشحن بأمان. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، سيتطلب أولاً عمليات تفتيش وإزالة ألغام وتوفير ضمانات أمنية للسفن التجارية، وهي عملية قد تستغرق حتى سبعة أسابيع.
كما تبرز اعتبارات السياسة الداخلية الأمريكية، إذ يواجه إدارة ترامب ضغوطاً مع اقتراب الانتخابات النصفية لإثبات أن انخفاض أسعار الوقود سيعود بالنفع على المستهلكين الأمريكيين.
لا تعافٍ كامل
ويرى محللون أن تراجع أسعار البنزين قد يعزز موقف الإدارة السياسية قبل التصويت.
أما بالنسبة لإيران، فإن إعادة فتح المضيق بشكل تدريجي تُعدّ خطوة ذات فائدة استراتيجية، إذ تتيح لها الحفاظ على نفوذها في المفاوضات الجارية مع واشنطن، دون التسبب بزيادة سريعة في المعروض العالمي قد تُضعف موقفها.
ومن المتوقع أن تستمر اضطرابات الشحن واللوجستيات حتى بعد إعادة الفتح الرسمي. ووفقاً لبيانات الصناعة، ما تزال أكثر من 160 سفينة عالقة في الخليج لأكثر من 100 يوم، فيما تواصل تكاليف التأمين والمخاطر التشغيلية التأثير على قرارات مسارات الشحن.
ويحذّر محللون في قطاع الطاقة من أنه رغم احتمال تعافي تدفقات النفط بحلول أواخر الصيف، فإن العودة الكاملة إلى مستويات ما قبل الأزمة قد تمتد حتى عام 2027. كما يُتوقع أن يؤدي تضرر البنية التحتية الإقليمية، بما في ذلك منشآت الغاز في قطر وحقول النفط القديمة في العراق والكويت، إلى إبطاء عملية التعافي، خصوصاً في قطاع الغاز الطبيعي المسال.
توقعات اقتصادية ما تزال قاتمة
كما يحذّر خبراء من أن الأثر الاقتصادي للأزمة لم يُستوعب بالكامل بعد. فعلى الرغم من احتمال تراجع الضغوط التضخمية، من المرجح استمرار التقلبات على المدى القصير مع تكيف الأسواق مع التعافي غير المتوازن في الإمدادات وعدم اليقين الجيوسياسي.
وأشار نيل شيرينغ من شركة “كابيتال إيكونوميكس” إلى أنه حتى مع إعادة فتح المضيق، فإن القيود اللوجستية وتكاليف التأمين ستؤخر العودة الكاملة إلى حركة التجارة الطبيعية، قائلاً: “حتى لو أعاد الاتفاق فتح المضيق فوراً، فإنه لن يمنع بعض الأضرار الاقتصادية على المدى القريب”.
وبينما خفّ الصدمة الفورية في أسواق الطاقة، يتوقع محللون فترة طويلة من التكيف قبل أن تعود تدفقات النفط والغاز العالمية إلى الاستقرار ما قبل الأزمة.