
لبنان - مع استمرار تقلب أسعار الوقود، أصبح ارتفاع كلفة النقل مصدر قلق متزايد للأسر والشركات على حد سواء. وفي لبنان، حيث لا يزال قطاع النقل وتوليد الكهرباء يعتمدان بشكل كبير على المشتقات النفطية، تنعكس تقلبات أسواق النفط العالمية بسرعة على كلفة الوقود والكهرباء محلياً.
أدى الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران التي بدأت في 28 فبراير 2026 إلى أكبر صدمة في أسواق النفط في التاريخ، بعدما أقدمت إيران فعلياً على إغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى تعطيل 14 مليون برميل يومياً (أي 14% من الإمدادات العالمية)، وارتفاع خام برنت من 72 دولاراً إلى أكثر من 112 دولاراً للبرميل (+55–65%).
بالتزامن مع ذلك، فاقمت الحرب المتجددة في لبنان من الأزمة، إذ شهد البلد الذي يستورد 100% من وقوده ارتفاعاً في أسعار البنزين بنسبة 80% والديزل بنسبة 66% بين يناير وأبريل 2026، فيما بلغ التضخم السنوي 17.26%.
وقد خلقت النزاعات المزدوجة خسائر مرتبطة بالحرب تقدّر بنحو 3 مليارات دولار للبنان في عام 2026، مع ارتفاع كلفة الشحن البحري بنسبة 80% (من 2,500 إلى 4,500 دولار للحاوية)، وتضاعف أقساط تأمين مخاطر الحرب، وذلك بعد أن أدى إغلاق المضيق إلى سحب 20% من نفط العالم من الأسواق وتعطيل إمدادات الغاز القطري إلى أوروبا، ما دفع إلى زيادة استهلاك الديزل ورفع أسعار الوقود عالمياً إلى مستويات قياسية.
وفي مارس 2026، ارتفعت أسعار الوقود بشكل ملحوظ، كما زادت تعرفة المولدات الخاصة نتيجة ارتفاع كلفة الديزل، ما فرض ضغوطاً مالية إضافية على الأسر والشركات.
في هذا السياق، تزايد الاهتمام بالنقاش حول اعتماد السيارات الكهربائية وكفاءتها، إذ لم تعد تُطرح فقط كبديل نظيف للنقل، بل أيضاً كخيار محتمل للحد من ارتفاع كلفة التنقل.
ومع ذلك، يبقى سؤالان أساسيان: هل يمكن للسيارات الكهربائية أن توفر للمستهلك اللبناني بديلاً أقل كلفة من السيارات التقليدية التي تعمل بالبنزين؟ وهل تظل خياراً مستداماً بيئياً في بلد لا يزال إنتاج الكهرباء فيه يعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري؟
لا يزال قطاع السيارات الكهربائية في لبنان صغيراً، إذ يشكل 6.5% من السوق رغم نمو الطلب بنسبة 98.2% خلال الربع الأول من عام 2026.
ومع استمرار أزمة الكهرباء وتذبذب أسعار الوقود، تتجه الأسر والشركات بشكل متزايد نحو بدائل للسيارات التقليدية، في حين يواصل القطاعان التجاري والصناعي الاستثمار في أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات.
أحد أبرز دوافع هذا الاهتمام المتزايد هو إمكانية خفض كلفة التشغيل. فقد قارنت دراسة حديثة بين كلفة تشغيل سيارة كيا بيكانتو تعمل بالبنزين وسيارة BYD Seagull كهربائية في السياق اللبناني.
وبناءً على أسعار الوقود والكهرباء السائدة، قدّرت الدراسة أن كلفة سيارة كيا بيكانتو تبلغ نحو 675,000–750,000 ليرة لبنانية لكل 100 كيلومتر من الوقود، في حين تبلغ كلفة BYD Seagull حوالي 86,000–240,000 ليرة لكل 100 كيلومتر عند الشحن عبر مؤسسة كهرباء لبنان (EDL).
حتى عند الشحن باستخدام المولدات الخاصة، تبقى الكلفة أقل وتقدّر بنحو 474,000–489,000 ليرة لكل 100 كيلومتر. وتشير الدراسة إلى أن أكبر وفورات تتحقق عند شحن السيارات الكهربائية عبر أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية، التي توفر أدنى كلفة تشغيل على المدى الطويل بعد التركيب.
ورغم أن هذه الأرقام تقديرية وليست مؤشرات نهائية، إلا أنها توحي بأن السيارات الكهربائية قد توفر مزايا كبيرة من حيث كلفة التشغيل مقارنة بالمركبات التقليدية في لبنان، خصوصاً عند توفر مصادر كهرباء منخفضة الكلفة وموثوقة.
على الرغم من أن الجدوى المالية تبدو مشجعة، فإن تقييم استدامة السيارات الكهربائية يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من كلفة التشغيل، أي إلى مصدر الكهرباء المستخدم للشحن.
فبينما لا تنتج السيارات الكهربائية أي انبعاثات مباشرة من العادم أثناء القيادة، فإن أثرها البيئي الكلي يعتمد بشكل أساسي على مصدر الكهرباء.
وبحسب منصة Switch2zero (20264)، فإن السيارة الديزل التقليدية تنتج حوالي 170 غراماً من ثاني أكسيد الكربون لكل كيلومتر، بينما لا تنتج السيارة الكهربائية أي انبعاثات مباشرة أثناء الاستخدام.
لكن هذا لا يعني أن السيارات الكهربائية خالية تماماً من الانبعاثات، إذ إن بصمتها الكربونية تتأثر بمصدر الكهرباء المستخدم للشحن. وفي لبنان، حيث يأتي توليد الكهرباء من مزيج من مؤسسة كهرباء لبنان والمولدات الخاصة التي تعمل بالديزل، إضافة إلى مصادر متجددة متزايدة مثل الطاقة الشمسية، يختلف الأثر البيئي للسيارات الكهربائية بشكل كبير.
فالشحن من مصادر متجددة يمكن أن يقلل الانبعاثات بشكل ملحوظ، في حين أن الاعتماد على الكهرباء المولدة من الديزل يحد من بعض الفوائد البيئية المرتبطة بالتنقل الكهربائي.
إلى جانب اعتماد السيارات الكهربائية، يمكن للتصنيع المحلي أن يساهم أيضاً في جعل التنقل الكهربائي أكثر إتاحة في لبنان.
وقال هشام الحسامي، مبتكر مشروع Lira Smart Taxi، وهو أول سيارة أجرة كهربائية ذكية تعمل بالطاقة الشمسية ومصنّعة محلياً في لبنان لتعزيز النقل المستدام والشمول الاجتماعي، إن السيارات الكهربائية المصنّعة محلياً قد تصبح في نهاية المطاف أقل كلفة من المستوردة.
وأضاف أن هذا الأمر يصبح أكثر احتمالاً مع زيادة حجم الإنتاج وتطور سلاسل التوريد المحلية.
غير أن تحقيق ذلك يتطلب معالجة تحديات أساسية، أبرزها كلفة البطاريات والمكونات، وإمكانية الوصول إلى التمويل، وبنية الشحن التحتية، وموثوقية إمدادات الكهرباء.
وأشار إلى أن لبنان يمتلك الكفاءات الهندسية والقدرات الصناعية اللازمة لدعم صناعة محلية للسيارات الكهربائية، بشرط توفير الاستثمار والدعم السياساتي المناسب.
رغم أن السيارات الكهربائية ليست حلاً كاملاً لتحديات النقل والطاقة في لبنان، إلا أنها تبدو قادرة على تقديم مزايا اقتصادية واضحة مقارنة بالمركبات التقليدية.
أما فوائدها البيئية، فتبقى مرتبطة بشكل كبير بطريقة شحنها. ومع استمرار ارتفاع أسعار الوقود، فإن الإمكانات طويلة المدى للسيارات الكهربائية في لبنان ستعتمد على تحسين البنية التحتية للكهرباء وتوسيع مصادر الطاقة المتجددة.