
لبنان - يشكّل كأس العالم لكرة القدم، الذي يُقام كل أربع سنوات، فرصة فريدة للبنان للاحتفاء بحب كرة القدم في بلد لطالما تميّز بشغف كبير تجاه هذه الرياضة.
من الساحات العامة إلى المطاعم والمقاهي، يجتمع اللبنانيون من مختلف الأعمار والخلفيات الاجتماعية والطوائف في مظاهر دعم لمنتخباتهم المفضلة.
وبحسب استطلاع أجرته منصة “ستاتيستا” عام 2022 وشمل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تبقى المقاهي والأماكن العامة من أكثر المواقع شعبية لمتابعة مباريات كأس العالم، إلى جانب المشاهدة المنزلية مع العائلة أو الأصدقاء.
وتشير دراسة أخرى إلى أنه في العديد من دول الشرق الأوسط، أعرب أكثر من 70 إلى 80% من البالغين عن نيتهم متابعة مباريات كأس العالم عبر مختلف الأجهزة وفي الأماكن العامة، ما يعكس قوة ثقافة استهلاك البطولة في المنطقة.
لكن لبنان استقبل نسخة 2026 من كأس العالم في ظروف أصعب بكثير مقارنة بالنسخ السابقة.
ورغم استمرار الحماسة لدى المواطنين وأصحاب الأعمال، فإن الأزمة الاقتصادية المستمرة، وعدم الاستقرار الأمني، وتغير أنماط الاستهلاك، أدت إلى تراجع كبير في قدرة قطاع الضيافة على الاستفادة من هذه البطولة.
تقليدياً، كان كأس العالم يشكّل دفعة موسمية لقطاع الضيافة في لبنان، حيث تمدد المطاعم ساعات عملها، وتقوم المقاهي بتركيب شاشات عرض كبيرة، وتعيد بعض المؤسسات الترفيهية تقديم نفسها كمساحات مشاهدة جماعية.
لكن بحسب خالد نزهة، نائب رئيس نقابة أصحاب المطاعم في لبنان، فإن هذا “الأثر الإحيائي” لم يعد مضموناً.
وقال: “كان كأس العالم يضمن حركة في القطاع، أما اليوم فلم يعد كذلك”.
بالنسبة للعديد من المؤسسات، أصبح مجرد المشاركة في موسم كأس العالم مكلفاً. إذ تتطلب حقوق البث التجاري تراخيص قد تتجاوز نحو 4000 دولار لكل مؤسسة طوال فترة البطولة، بحسب الحجم والموقع.
كما أدت سنوات الانهيار المالي، والتضخم، وتراجع القدرة الشرائية، واستمرار الحرب والاعتداءات الإسرائيلية، إلى إعادة تشكيل سلوك المستهلكين بشكل كبير.
ويشير نزهة لـ”إنمائية” إلى أن عدداً متزايداً من المشاهدين يفضّلون متابعة المباريات في المنازل عبر خدمات الاشتراك أو عبر وسائل بث غير رسمية، تجنباً لتكاليف النقل ومواقف السيارات والحد الأدنى من الإنفاق في المطاعم.
والنتيجة معادلة ضعيفة: تكاليف أعلى على المؤسسات، مقابل عوائد أقل ضماناً.
ورغم هذه الضغوط، لم تختفِ ثقافة كأس العالم. فهي لا تزال حاضرة، خصوصاً في المؤسسات الكبرى القادرة على تحمّل كلفة التراخيص أو التي تعتمد على كثافة الزبائن.
وقد اعتاد “كازينو لبنان” تاريخياً استضافة عروض مشاهدة واسعة خلال البطولات الكبرى في قاعاته، مقدماً تجربة ترفيهية منظمة.
في المقابل، تعكس مبادرات مثل “Batroun Foot City 2026” اتجاهاً متزايداً نحو مساحات مشاهدة خارجية على نمط المهرجانات، تجمع بين عربات الطعام والشاشات الكبيرة والمقاعد الجماعية لإعادة خلق أجواء تشبه الملاعب.
لكن هذه النماذج أصبحت استثناءً أكثر منها قاعدة.
داخل قطاع الضيافة، يُطرح بشكل متكرر اقتراح بأن تقوم الدولة اللبنانية، عبر تلفزيون لبنان، بالحصول على حقوق بث كأس العالم وعرض المباريات مجاناً على الهواء.
ويرى المؤيدون أن هذا الحل يحقق هدفين: إعادة إتاحة الوصول العام إلى الأحداث الرياضية الكبرى، وتخفيف الضغط المالي عن المقاهي والمطاعم التي تضطر لشراء تراخيص تجارية مرتفعة الكلفة.
ويؤيد نزهة هذا الطرح، معتبراً أن البث الوطني المجاني يمكن أن يعيد إحياء ثقافة المشاهدة الجماعية، ويعزز بشكل غير مباشر الإقبال على الأماكن العامة، كما يجعل البطولة متاحة مجاناً في كل المنازل اللبنانية.
رغم الضغوط، لم تختفِ ثقافة متابعة كأس العالم في لبنان، لكنها تقلّصت. لا تزال المقاهي والمطاعم تشكل نقاط تجمع خلال المباريات الكبرى، لكن بشكل أكثر انتقائية وفي ظل قيود مالية أكبر.
ما كان يوماً طفرة موسمية متوقعة أصبح فرصة غير متوازنة تتأثر بارتفاع التكاليف وتغير العادات والظروف الاقتصادية العامة. ومع ذلك، يبقى نمط واحد ثابت: عند انطلاق كأس العالم، يجتمع اللبنانيون، ولكن في أماكن أقل، وبأعداد أصغر، وتحت ضغط أكبر من السابق.
ورغم هذا الاستمرار، تبقى هناك حدود واضحة. فالحماسة المرتبطة بالفعاليات الرياضية العالمية ما زالت موجودة، لكن قطاع الضيافة لم يعد يستفيد منها بالزخم نفسه كما في السابق، ما يكشف فجوة بين الزخم الثقافي والقدرة الاقتصادية.
ويرى بعض المعنيين في القطاع أن الطريق إلى الأمام يكمن في دعم أكثر تنظيماً للبطولات الكبرى، سواء عبر شراكات تخفف تكاليف البث أو عبر تخصيص مساحات مشاهدة عامة بتكلفة أقل.
في المقابل، يشير آخرون إلى واقع أكثر تلقائية: في غياب هذه الحلول، تتكيف المؤسسات بشكل فردي، عبر تقليص النشاط بدلاً من توسيعه.
ويبقى الثابت أن كأس العالم ما زال يجمع الناس في لبنان، لكن الذي تغيّر هو الحجم، وقدرة القطاع على تحويل هذه اللحظة الجماعية إلى مكسب اقتصادي مستدام.