
لبنان – لم تعد أزمة كلفة المعيشة في لبنان تُقاس بالتضخم وحده. فمع استمرار ارتفاع أسعار السلع اليومية، وزيادة بدلات الإيجار، وعجز الأجور عن مواكبة هذا الارتفاع، تجد عائلات لبنانية كثيرة صعوبة متزايدة في تأمين أبسط احتياجاتها.
لا يزال التضخم السنوي مرتفعاً، إذ بلغ معدل التضخم في لبنان 19.04% في أيار 2026، بعدما سجل 20.02% في نيسان 2026، لكنه بقي عند أعلى مستوى له منذ كانون الأول 2024. إلا أن التضخم لا يعكس سوى جزء من الصورة.
فكلفة المعيشة ترتبط بشكل أساسي بما يدفعه الناس مقابل ما يحصلون عليه من دخل. وهذا يتحدد بثلاثة عوامل رئيسية: أسعار السلع الأساسية، وكلفة السكن والإيجارات، ومستوى الأجور التي يعتمد عليها الأفراد لتغطية هذه النفقات. وبالتالي، لا يواجه اللبنانيون صدمة سعرية واحدة، بل ثلاثة ضغوط متزامنة، مع تفاوت كبير في تأثيرها بين الفئات الاجتماعية.
الأسعار: ارتفاع مستمر في كلفة الاحتياجات اليومية
تبقى أسعار الغذاء والمحروقات والنقل من أبرز العوامل التي تدفع كلفة المعيشة في لبنان إلى الارتفاع. فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 19.4% على أساس سنوي في آذار 2026، أي أكثر من ثلاثة أضعاف معدل تضخم الغذاء في مصر الذي بلغ 5.8% خلال الفترة نفسها.
كما ارتفعت أسعار النقل بنسبة 24.8% خلال الفترة ذاتها، فيما سجلت بعض أنواع المحروقات ارتفاعاً تجاوز 30% بين كانون الثاني وشباط 2026، مع زيادة سعر صفيحة البنزين أوكتان 95 بأكثر من 31%.
وتنعكس هذه الزيادات مباشرة على المشتريات اليومية، إذ باتت سلة غذائية عادية في العديد من المتاجر الكبرى تتجاوز بسهولة 150 إلى 250 دولاراً، وقد ترتفع أكثر بالنسبة إلى الأسر الكبيرة.
وقدّر برنامج الأغذية العالمي الحد الأدنى لسلة الإنفاق الغذائي للبقاء (SMEB) في لبنان بنحو 42 إلى 43.50 دولاراً للفرد شهرياً، وبين 200 و218 دولاراً لعائلة مؤلفة من خمسة أفراد، بزيادة 3% مقارنة بشباط. وتشمل هذه السلة الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية فقط، ولا تغطي الإيجار أو النقل أو الفواتير أو الرعاية الصحية أو التعليم أو غيرها من المصاريف الأساسية.
ويبلغ الحد الأدنى الرسمي للأجور في لبنان حالياً نحو 312 دولاراً شهرياً، ما يعني أن الأسرة التي تعتمد على الحد الأدنى للأجور قد تضطر إلى إنفاق نحو ثلثي دخلها الشهري لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية، ليبقى لديها فقط ما بين 94 و112 دولاراً لتغطية باقي النفقات.
ومع تعديل الحد الأدنى للأجور ثلاث مرات خلال أقل من عامين، أصبح لبنان من بين الدول التي شهدت أكثر تحديثات متكررة لمعايير الرواتب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في مؤشر على سرعة التحولات الاقتصادية.
وعلى عكس موجة التضخم التي شهدها لبنان بين عامي 2020 و2023، فإن الارتفاعات الحالية في الأسعار تحدث في ظل استقرار نسبي لسعر الصرف، الذي بقي عند حدود 89,500 ليرة مقابل الدولار الأميركي لأكثر من عام. ويشير ذلك إلى أن التضخم لم يعد مرتبطاً فقط بتراجع قيمة العملة، بل يعكس أيضاً ضغوطاً هيكلية أعمق داخل الاقتصاد.
40 ألف منزل متضرر
أدت المواجهات التي تجددت في 2 آذار 2026 إلى زيادة الضغط على سوق السكن في لبنان. فقد سجّل المجلس الوطني للبحوث العلمية تضرر أو تدمير نحو 40 ألف وحدة سكنية خلال 35 يوماً فقط، بمعدل يقارب 1,081 منزلاً يومياً، واصفاً وتيرة الدمار بأنها غير مسبوقة.
وكان سوق الإيجارات يعاني أصلاً من ضغوط كبيرة قبل التصعيد الأخير. فقد احتلت بيروت المرتبة 327 من أصل 332 مدينة عالمياً لناحية القدرة على تحمّل تكاليف السكن، ما جعلها من بين المدن الأقل قدرة على توفير مساكن بأسعار تتناسب مع دخل السكان.
ويشكل السكن أحد أكبر بنود إنفاق الأسر. ووفق البنك الدولي، تمثل تكاليف السكن 36% من الإنفاق السنوي للأسر في بيروت و29% في جبل لبنان، ما يجعل أي ارتفاع في الإيجارات عبئاً كبيراً على ميزانيات العائلات.
كما أدى النزاع الأخير إلى زيادة الضغط على السوق العقارية، إذ أدى تدمير جزء من المخزون السكني، إلى جانب النزوح الواسع، إلى ارتفاع الطلب على الوحدات المتاحة. وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، تم تسجيل خلافات بين مالكي العقارات ومستأجرين نازحين حول شروط الإيجار للمنازل التي أُخليت خلال الحرب، ما يعكس الضغط المتزايد على سوق سكن يعاني أصلاً من محدودية العرض.
الأجور في لبنان: المعركة الثانية بعد ارتفاع الأسعار
لا ترتبط أزمة كلفة المعيشة في لبنان بارتفاع الأسعار فقط، بل أيضاً بعدم قدرة الأجور على مواكبة هذا الارتفاع.
فاليوم، قد يحصل موظفون يؤدون وظائف متشابهة على رواتب مختلفة بشكل كبير، بحسب ما إذا كانوا يتقاضون أجورهم بالدولار الأميركي أو بالليرة اللبنانية. ويظهر هذا التفاوت بشكل خاص في القطاع العام، حيث طالبت روابط المعلمين بزيادة اسمية تصل إلى 37 ضعفاً لاستعادة القدرة الشرائية التي كانت رواتبهم توفرها عام 2019.
ولم يظهر هذا الاقتصاد القائم على عملتين بشكل مفاجئ، إذ يعود استخدام الدولار في لبنان إلى فترة الحرب الأهلية (1975-1990)، عندما دفعت اضطرابات العملة المتكررة الأسر والشركات إلى الادخار والتعامل بالدولار. ورغم أن تثبيت سعر صرف الليرة عام 1997 ساهم في استقرارها لأكثر من عقدين، إلا أنه لم يلغِ هذا السلوك بالكامل، قبل أن تؤدي الأزمة المالية عام 2019 إلى تسريع هذا الاتجاه.
وتظهر بيانات الرواتب فروقات واضحة بين القطاعات. فوفق تقرير الرواتب لعام 2026، يتراوح راتب مسؤول برامج وطني في منظمة دولية غير حكومية في بيروت بين 2000 و3500 دولار شهرياً، في حين يتقاضى موظف من الفئة المتوسطة في القطاع العام نحو 600 إلى 900 دولار بعد البدلات والمساعدات بالدولار.
أما معلمو المدارس الرسمية فيتقاضون عادة بين 350 و600 دولار، مقابل 800 إلى 1800 دولار للمعلمين ذوي الخبرة في المدارس الخاصة المرموقة. وتعكس هذه الفروقات تأثير القطاع وطريقة الدفع على القدرة الشرائية للعاملين.
من يتحمل كلفة الأزمة؟
لا تؤثر الأزمة على جميع الفئات الاجتماعية بالطريقة نفسها. فوفق خطة الاستجابة للأزمة في لبنان لعام 2026، يواجه نحو 165 ألف عامل مهاجر في لبنان، يشكل النساء نحو 70% منهم، مخاطر متزايدة تتعلق بالاستغلال وفقدان الوضع القانوني والاستبعاد من المساعدات.
كما تتأثر الأسر التي تعيلها نساء بشكل غير متناسب، لا سيما بين مجتمعات اللاجئين، إذ أظهرت بيانات سابقة أن هذه الأسر أكثر عرضة للجوء إلى استراتيجيات تأقلم قاسية مثل عمالة الأطفال أو الزواج المبكر.
وعلى المستوى الوطني، كان نحو 23% من سكان لبنان، أي ما يقارب 1.26 مليون شخص، يعيشون في مستويات من انعدام الأمن الغذائي المصنفة كأزمة عام 2024.
ويواجه الشباب ضغوطاً إضافية، إذ أظهرت استطلاعات قبل التصعيد الأخير أن غالبية الشباب اللبنانيين يرغبون في الهجرة، بسبب ظروف العمل والواقع المعيشي.
كما تتحمل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة جزءاً كبيراً من هذه الضغوط، فهي تشكل نحو 90 إلى 95% من إجمالي الشركات في لبنان ونحو 40% من الناتج المحلي، وتواجه في الوقت نفسه ارتفاع كلفة الإنتاج، وزيادة الإيجارات، والضغط لرفع الأجور في ظل عجز المستهلكين عن تحمل زيادات إضافية في الأسعار.
وقد زادت حرب 2026 من حدة هذه التحديات، إذ يقدّر البنك الدولي أن قطاعات الزراعة والتجارة والسياحة، التي تهيمن عليها المؤسسات الصغيرة وغير الرسمية، تمثل 77% من الخسائر الاقتصادية الناتجة عن النزاع الأخير، ما يعرّض العمال ذوي الدخل المنخفض والعاملين في القطاع غير الرسمي للخطر بشكل مباشر.
مسارات الإصلاح
يشير تقرير البنك الدولي حول الوضع الاقتصادي في لبنان وحزمة التمويل التي أُعلنت في كانون الثاني 2026 إلى طبيعة الاستجابة المطلوبة لمواجهة هذه الضغوط. وتظهر المعطيات الحاجة إلى إصلاحات منسقة ومتعددة القطاعات، تركز على خلق فرص العمل، والاستثمار في مهارات الشباب، وتطوير البنى التحتية لدعم نمو اقتصادي شامل.
وفي موازاة ذلك، تحتاج أنظمة الحماية الاجتماعية إلى تعزيز قدرتها على دعم الأسر الأكثر هشاشة، بدل أن تبقى مجرد استجابة مؤقتة بين أزمة وأخرى.
وتوفر حزمة البنك الدولي البالغة 350 مليون دولار، بالتعاون مع وزارتي الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والشؤون الاجتماعية، تمويلاً لتحويل منصة أمان (AMAN) للتحويلات النقدية إلى سجل اجتماعي وطني شامل، بهدف بناء قدرة مؤسساتية طويلة الأمد.
وتستهدف الحزمة الأسر اللبنانية الأكثر ضعفاً، إضافة إلى النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للمخاطر، بما ينسجم مع تفاوت تأثير الأزمة بين مختلف الفئات.
كما أشار البنك الدولي إلى ضرورة مراقبة التضخم في قطاعات الخدمات المحلية، مثل الإيجارات والتعليم، حتى مع تراجع معدلات التضخم العامة.
فأسعار السلع والإيجارات والأجور مرتبطة ببنية اقتصادية واحدة، وأي معالجة تتعامل معها كمشكلات منفصلة قد لا تكون مستدامة. فقد شهد لبنان استجابات طارئة عديدة، لكنه لم ينجح بعد في بناء برنامج إصلاحي قادر على تجاوز الأزمات التي تستدعي هذه الاستجابات.