
لبنان – حذّر خبراء خلال مؤتمر عُقد يوم الأربعاء من أن أزمة المياه في لبنان لا يمكن فهمها على أنها مجرد نقص في الموارد المائية، داعين إلى مقاربة هذا القطاع من منظور العدالة، والمساءلة العامة، والحق في الحصول على المياه.
وجمع المؤتمر مختصين في البيئة، وصحفيين، وباحثين، وممثلين عن البلديات، وعاملين في قطاع المياه، لمناقشة الضغوط المتشابكة التي تؤثر على الموارد المائية في لبنان.
وتناولت النقاشات أوجه القصور المزمنة في حوكمة المياه، والتلوث، واستنزاف المياه الجوفية، وتغير المناخ، وعدم المساواة في الوصول إلى الخدمات العامة. كما بحث المشاركون آثار تدمير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي والزراعة خلال الهجمات الإسرائيلية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وانتظم المؤتمر في ثلاث جلسات تناولت حوكمة المياه، وتأثير الحرب على أنظمة المياه، والسبل الممكنة لإعادة بناء القطاع بشكل أكثر عدالة واستدامة.
الأزمة تتجاوز شح المياه
ركزت الجلسة الأولى على كيفية مساهمة تشتت المؤسسات، وضعف الرقابة، وتردي الخدمات العامة، ومحدودية المساءلة في تفاقم أزمة المياه في لبنان.
وأوضح المتحدثون أن العديد من الأسر باتت تعتمد على مزيج من الشبكات العامة، والموردين الخاصين، وصهاريج المياه، والآبار، والترتيبات غير الرسمية لتلبية احتياجاتها اليومية.
ويعني هذا النظام الهجين أن الحصول على المياه غالبًا ما يعتمد على مكان السكن والقدرة المالية، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت المياه تُعامل كمنفعة عامة وحق أساسي للجميع.
كما ناقشت الجلسة الاستراتيجية الوطنية للمياه ومدى قدرة الإصلاحات الحالية على معالجة قضايا الكلفة، والمشاركة المجتمعية، وعدم المساواة في الوصول إلى المياه، أم أنها ما تزال تركز أساسًا على البنية التحتية واسترداد التكاليف والمشاريع المدعومة من الجهات المانحة.
وأكد المشاركون أن تعزيز الأمن المائي يتطلب أكثر من مجرد إنشاء بنية تحتية جديدة، بل يحتاج إلى مؤسسات عامة أقوى، وشفافية في اتخاذ القرار، وأنظمة تضمن وصولًا آمنًا وميسور التكلفة إلى المياه لجميع المجتمعات.
البنية التحتية للمياه تحت الاستهداف
تناولت الجلسة الثانية آثار الهجمات الإسرائيلية على أنظمة المياه في جنوب لبنان والبقاع، ولا سيما في المناطق المرتبطة بحوض نهر الليطاني.
وناقش المشاركون تقارير عن استهداف آبار المياه، ومحطات الضخ، والخزانات، وقنوات الري، وشبكات المياه، ومنشآت معالجة مياه الصرف الصحي.
وحذّروا من أن تدمير هذه الأنظمة تتجاوز آثاره النقص الفوري في المياه، إذ يمكن أن يمنع المزارعين من زراعة أراضيهم، ويعرض المجتمعات للتلوث والأمراض، ويصعّب عودة العائلات النازحة إلى بلداتها.
وقال المهندس البيئي أحمد جمّال إن الجهات البيئية تعمل على توثيق الهجمات منذ بداية الحرب، مع اهتمام خاص بما أُبلغ عنه بشأن استخدام الفوسفور الأبيض في جنوب لبنان.
وأوضح أن هذه الحوادث تُوثّق عبر خريطة تفاعلية يمكن أن تدعم مستقبلاً التقييمات البيئية ووضع إجراءات لمعالجة الأضرار.
وأضاف أن الهدف من هذا التوثيق هو تحديد مواقع الهجمات وتوفير أساس لدراسة آثارها طويلة الأمد على الأراضي والمياه والمجتمعات المحلية.
تدمير آبار تاريخية محلية
سلّطت الصحفية سعدة علاو الضوء على فقدان آبار محلية كانت تؤمن المياه لنحو 55 بلدة جنوبية على مدى سنوات طويلة.
وبحسب علاو، فإن العديد من هذه الآبار لم تعد متاحة بسبب الهجمات، ما حرم المجتمعات المحلية من مصادر مياه أساسية.
وتساءلت عن كيفية مطالبة النازحين بالعودة إلى بلدات قد لا تتوفر فيها مياه موثوقة للشرب أو للاستخدام المنزلي أو للزراعة.
وأبرزت مداخلتها أن تدمير البنية التحتية للمياه لا يؤثر فقط على إعادة الإعمار المادي، بل ينعكس أيضًا على إمكانية عودة السكان واستمرار المجتمعات المحلية.
وحذّر المشاركون من أن إعادة ترميم المنازل وحدها لن تكون كافية إذا عاد السكان إلى مناطق تفتقر إلى شبكات مياه عاملة، وأنظمة ري، ومنشآت صرف صحي، وأراضٍ زراعية آمنة.
تساؤلات حول التلوث الكيميائي
شددت علاو أيضًا على أهمية توثيق الآثار البيئية للحرب، بما في ذلك التداعيات المحتملة لعمليات الرش الكيميائي المبلغ عنها على طول الحدود الجنوبية للبنان.
وأشارت إلى أن مؤسسات علمية، من بينها المجلس الوطني للبحوث العلمية، توثق الهجمات والأضرار البيئية، إلا أن تساؤلات كبيرة لا تزال قائمة بشأن الآثار المحتملة لمادة الغليفوسات ومواد كيميائية أخرى على التربة والمياه الجوفية.
وحذّر المشاركون من أن الحجم الكامل للتلوث قد لا يكون ظاهرًا بشكل فوري، خصوصًا عندما تتسرب المواد الكيميائية إلى التربة الزراعية أو المياه السطحية أو الأنظمة المائية الجوفية.
وقد تستمر هذه التأثيرات لفترات طويلة بعد انتهاء الأعمال العدائية، مؤثرة على مياه الشرب، والإنتاج الغذائي، والنظم البيئية، والصحة العامة.
ورأت علاو أن توثيق الدمار والتلوث المحتمل ضروري لإرساء المساءلة، ودعم التحقيقات العلمية، وحماية حقوق المجتمعات المتضررة.
تعطل الصرف الصحي يزيد الضغط على الليطاني
قال يحيى ضاهر، الرئيس السابق لاتحاد بلديات، إن الهجمات أدت أيضًا إلى تعطيل منشآت معالجة مياه الصرف الصحي في محيط نهر الليطاني.
وأوضح أن توقف بعض محطات المعالجة عن العمل قد يؤدي إلى تصريف مياه الصرف غير المعالجة، ما يزيد الضغط على النهر الذي يعاني أصلًا من تلوث شديد ومزمن.
ويُعد نهر الليطاني أحد أهم الموارد المائية في لبنان، إذ يدعم الزراعة والري وإنتاج الطاقة والمجتمعات المحلية في عدة مناطق.
لذلك، فإن الأضرار التي لحقت بمنشآت الصرف الصحي قد تؤدي إلى تفاقم أزمة بيئية قائمة بالفعل، وزيادة المخاطر الصحية والمعيشية على المجتمعات التي تعتمد على النهر.
كما لفت ضاهر الانتباه إلى معاناة صغار المزارعين الذين باتوا عاجزين بشكل متزايد عن زراعة أراضيهم بسبب نقص المياه، وتضرر البنية التحتية للري، وضعف الدعم المالي والمؤسساتي.
وبالنسبة لهؤلاء المزارعين، فإن فقدان المياه لا يعني فقط خسارة محصول، بل قد يعني فقدان مصدر الدخل الأساسي والارتباط بالأرض.
إعادة بناء أكثر عدالة
تناولت الجلسة الختامية سبل إعادة بناء أنظمة المياه في لبنان مع معالجة نقاط الضعف التي كانت موجودة قبل الحرب.
وناقش المتحدثون إمكان استعادة الأنهار والأحواض المائية والنظم البيئية للمياه العذبة من خلال حلول قائمة على الطبيعة، إلى جانب ربط إدارة المياه بشكل أوثق بالزراعة والتخطيط العمراني والتكيف المناخي والأمن الغذائي.
وضمت الجلسة خبراء في الحفاظ على البيئة والزراعة المستدامة وحوكمة الموارد الطبيعية وإدارة المياه، من بينهم ياسر أبو النصر، وسيرج حرفوش، ورولا مجدلاني، وفرج العوار، ونديم فرج الله.
وأكد المشاركون أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تقتصر على إعادة الأنظمة المتضررة إلى وضعها السابق، بل يجب أن تشكل فرصة لبناء أنظمة مياه أكثر قدرة على الصمود، وأكثر خضوعًا للمساءلة العامة، وأكثر استدامة بيئيًا.
ويتطلب ذلك مشاركة مجتمعية حقيقية، وتنسيقًا أقوى بين المؤسسات، وإدراكًا أوسع لكيفية تأثير انعدام الأمن المائي على المزارعين والأسر ذات الدخل المحدود والنازحين والمناطق المتضررة من النزاعات.
المياه قضية عدالة
اختُتم المؤتمر برسالة أساسية مفادها أن أزمة المياه في لبنان ليست مجرد مشكلة تقنية أو بيئية.
فهي أيضًا قضية تتعلق بمن يتحكم بالمياه، ومن يستطيع تحمل كلفتها، وأي المجتمعات تحصل على الاستثمارات العامة، ومن يتحمل تبعات فشل المؤسسات أو تدمير البنية التحتية.
ويضع مفهوم العدالة المائية هذه الأسئلة في صلب عملية صنع السياسات.
وبالنسبة للبنان، فإن إعادة بناء أنظمة المياه تتطلب أكثر من إصلاح الأنابيب والآبار ومحطات المعالجة، بل تحتاج أيضًا إلى استعادة النظم البيئية، ودعم سبل العيش، وتوثيق الأضرار البيئية، وضمان التعامل مع الوصول إلى المياه الآمنة والميسورة التكلفة باعتباره مسؤولية عامة وحقًا أساسيًا من حقوق الإنسان.